الرئيسية التسجيل مكتبي     البحث الأعضاء الرسائل الخاصة



   
العودة   ملتقيات أبناء اوربي > المنتديات العامة > المنتدى الأسلامى
 
المنتدى الأسلامى خاص بكل ما يتعلق بديننا الأسلامى ويناقش قضايا الدين المعاصرة


حقيقة الدنيا في الشريعة والدراسات العلمية الحديثة

خاص بكل ما يتعلق بديننا الأسلامى ويناقش قضايا الدين المعاصرة


 
انشر الموضوع
   
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
   
قديم 12-18-2018, 04:15 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو

إحصائية العضو







ابراهيم الحسين is on a distinguished road

 

ابراهيم الحسين متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابراهيم الحسين المنتدى : المنتدى الأسلامى
افتراضي تفنيد ونفي الشرك والشك

تفنيد ونفي الشرك والشك


الحمد رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، الحمد لله حمد الشاكرين حمد الذاكرين، له الحمد كله وله الخلق كله، وله

الملك كله، وإليه يرجع الأمر كله، وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، لا ند له ولا شريك، الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن كل نقص وعيب، وعن الصاحبة والولد، له

الكمال المطلق من جميع الوجوه، سبحانه رب كل شيء ومليكه، وأصلى وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين إمام الموحدين رسول رب العالمين، الداعي إلى التوحيد أمره الله تعالى بالتوحيد ونفي الشرك والشك عنه قال

تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّمِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي

يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[يونس: 104- 105].

فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول للمشركين: "إن كنتم في شك من ديني، فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في الذي أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تعقل شيئًا ولا تضر ولا تنفع، فأما ديني فلا

ينبغي لكم أن تشكُّوا فيه، لأني أعبد الله الذي يقبض الخلق فيميتهم إذ شاء، وينفعهم ويضرُّهم إن شاء، وذلك أن عبادة من كان كذلك لا يستنكرها ذو فطرة صحيحة، وأما عبادة الأوثان فينكرها كل ذي لبٍّ وعقلٍ صحيح"(1).


والقرآن الكريم كلام رب العالمين هو كتاب التوحيد، فيه الهدى والنور والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، فكل آية منه تنطق بالتوحيد للخالق - عز وجل- وتنفي عنه الشرك والشك فيه؛ لأن الشرك نقيض التوحيد وضده،

والداهية العظمى والمصبية الكبرى أن تجعل لخالق السموات والأرض الكبير المتعال الملك الجبار الذي بيده كل شيء، نداً وشريك له - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا- فهو من أعظم الذنوب وأخطرها على

الإنسان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعظم الذنب أن تجعل لله ندا وهو خلقك»(2).

والله -عز وجل- لا يغفر أن يشرك به مما يدل على عظم هذا الذنب قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

والدلائل الدالة على التوحيد امتلأ بها كل ركن من أركان هذا الكون العظيم، ومن جملة هذه الأدلة كلام رب العالمين

القرآن الكريم كتاب التوحيد فهو من أعظم الأدلة على شهادة التوحيد، وطرق القرآن الكريم وأساليبه في

الدلالة على شهادة التوحيد أيضاً كثيرة نقف مع طريق من طرقة في هذا البحث فمن هذه الطرق دلالة القرآن الكريم على شهادة التوحيد بنفي الشرك والشك عن الخالق -

عز وجل- في كثير من الآيات، وبأساليب مختلفة وطرق متعددة، ليثبت التوحيد للواحد الأحد سبحانه.

وقبل الحديث عن هذا الموضوع ناسب أن نتحدث عن تعريف الشرك والشك.

- تعريف الشرك:


الشرك في لغة العرب: يأتي بمعنى المشارك والشريك وبمعنى النصيب.

قال في تاج العروس: والشرك بمعنى الشريك وبمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار قال لبيد:

تَطِيرُ عَدائِدُ الأَشْراكِ شَفْعًا *** ووِتْرا والزَّعَامَةُ للغُلامِ(3)

فالشركُ بالكسر: المُشارِكُ ويجمع على أشْراكٌ وشُركاءُ وهي شَريكَةٌ، وأشْرَكَ بالله: كَفَرَ فهو مُشْرِكٌ ومُشْرِكِيٌّ والاسْمُ: الشِّرْكُ فيهما(4).

وفي الاصطلاح: الشرك على ضربين: إما أكبر وهو إثبات الشريك لله تعالى، يقال: أشرك فلان بالله وذلك أعظم الكفر، وهو الشرك العظيم،

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾

[النساء: 48]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ [النساء: 116]، وقال سبحانه:

﴿يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

أو أصغر وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور(5).

وهو الرياء والنفاق المشار إليه بقوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: 190]،

وقوله سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].

ومنه ما روى أبو موسى الأشعري قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا

رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم...»(6).

فالشرك الأكبر: هو إثبات الشريك مع الله تعالى.

والشرك الأصغر: "هو كل عمل قولي أو فعلي أطلق الشرع عليه وصف الشرك، ولكنه لا يخرج عن الملة"(7) مثل الحلف بغير الله والتوسل بغير الله.

- تعريف الشك:
الشك هو خلاف اليقين(8).

قال الراغب الأصبهاني: "الشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما، والشك ربما كان في الشيء هل هو موجود أو غير موجود؟

وربما كان في جنسه من أي جنس هو؟ وربما كان في بعض صفاته وربما كان في الغرض الذي لأجله أوجد"(9).

والشك: ضرب من ضروب الجهل، وهو أخص منه؛ لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأسا فكل شك جهل وليس كل جهل شكا قال الله تعالى:

﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: 110]، وقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: 9](10).

والقرآن الكريم كتاب التوحيد نفا الشك في وجود الحق - تبارك وتعالى- على لسان الرسل الكرام, قال تعالى:

﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى﴾ [إبراهيم: 10].
قال ابن كثير: وهذا يحتمل شيئين:

أحدهما: أفي وجوده شك فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده ولهذا

قالت لهم الرسل: ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق.

والمعنى الثاني: أي أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك وهو الخالق لجميع الموجودات ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له فإن غالب

الأمم كانت مقرة بالصانع ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى(11).

فلا شك في توحيده فالاستفهام في الآية للإنكار عليهم، وتوبيخهم على هذا، وهذا الموقف يدل على سخافة عقولهم أي أفي شأنه تعالى من وجوده ووحدته ووجوب الإيمان به وحده شك ما،

وهو أظهر من كل ظاهر وأجلى من كل جلي حتى تكونوا من قبله سبحانه في شك عظيم مريب(12).

ففي هذه الآية يخبر القرآن الكريم عن نفي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الشك في وجود الحق سبحانه وتعالى.

- التوحيد يعني نفي الشرك عن الحق تبارك وتعالى.

فالتوحيد يعني نفي الشرك عن الحق تبارك وتعالى؛ لان الشرك هو ضد التوحيد ونقيضه.

فهو ضد توحيد الربوبية: وهو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل.

وهو ضد توحيد الأسماء والصفات ويجمعهما اسم الإلحاد فهو إما نفي ذلك عن الله عز وجل وتعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله الثابتة بالكتاب والسنة.

أو تشبيه صفات الله تعالي بصفات خلقه، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

وضد توحيد الإلوهية: وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله عز وجل وهذا هو الغالب على عامة المشركين وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها.(13)

أنواع الشرك:
والشرك على نوعين.


الشرك الأكبر: وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي تضمن تسوية

آلهة المشركين برب العالمين، وهو الشرك الذي لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة منه(14).

قال الإمام الذهبي: "فأكبر الكبائر الشرك بالله تعالى، وهو أن يجعل لله ندا و يعبد غيره من حجر أو شجر أو شمس أو قمر

أو نبي أو شيخ أو نجم أو ملك أو غير ذلك و هذا هو الشرك الأكبر الذي ذكره الله عز و جل قال الله

تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال الله تعالى:

﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]"(15).


وهو شرك في الإلهية كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قسم الشرك الأكبر على نوعين شرك في الإلهية وشرك في الربوبية

يقول -رحمه الله-: "فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندا أي مثلا في عبادته أو محبته أو

خوفه أو رجائه أو إنابته فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال تعالى:

﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ [الأنفال: 38]، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول

الله صلى الله عليه وسلم مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية قال الله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ﴾ [البقرة: 165]"(16).

ويقول رحمه الله: وأما النوع الثاني فالشرك في الربوبية فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر المعطى المانع الضار النافع الخافض الرافع

المعز المذل فمن شهد أن المعطى أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته(17).

فالشرك الأكبر وإن اختلفت عبارات أهل العلم في تعريفه إلا أن المعنى واحد، وهو اتخاذ ند وشريك للحق تبارك وتعالى.

والشرك الأصغر: هو كل عمل قولي أو فعلي أطلق الشرع عليه وصف الشرك، ولا يخرج عن الملة ولكنه ينقص ثواب العمل وقد يحبطه إذا زاد وغلب كما سبق وقلنا.

ومن أمثلة هذا النوع الرياء: قال صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله قال الرياء، يقول الله عز وجل: لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى

الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء...»(18) وعن أوس بن ثابت عن أبيه قال: «كنا نعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر»(19).

ومن أمثلته الحلف بغير الله: قال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك»(20).

ومثل هذا الحلف كما يقول ابن القيم: قول الرجل للرجل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك،وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت،

وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده(21).

يقول العلامة ابن القيم رحمه الله وهو يتحدث عن أقسام الشرك:

والشرك فاحذره فشرك ظاهر *** ذا القسم يقابل الغفران.

وهو اتخاذ الند للرحمن أيا *** كان من حجر ومن إنسان.

يدعوه أو يرجوه ثم يخافه *** ويحبه كمحبة الديان(22).

مظاهر الشرك:

وهذا الشرك له مظاهر نجدها بين الكثير من عوام الناس بسبب جهلهم فلا حول ولا قوة إلا بالله, ومن هذه المظاهر التي نتحدث عنها على وجه الإيجاز:

1- التوسل والاستغاثة بغير الله تعالى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من

غير أهل الكتاب وفى مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما

لم يأذن به الله تعالى دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفى مغيبهم وخطاب تماثيلهم وسؤالهم

والإستغاثة بهم والإستشفاع بهم في هذه الحال، ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم هو من

الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولا،ولا أنزل به كتابا وليس هو واجبا ولا مستحبا باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين(23).

2- الذبح لغير الله قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. وقال صلى الله عليه وسلم:

«لعن الله من ذبح لغير الله»(24). قال الإمام النووي: "وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن

يذبح باسم غير الله تعالى كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما أو للكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا أو يهوديا"(25).

3- الحلف بغير الله: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك»(26).

وكفارة هذه الحلف كما جاء في الحديث: «من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله»(27).

فدل على أن الحلف بغير الله من الشرك، فالحلف لا يكون إلا بالله تعالى لأن فيه تعظيم للمحلوف به، وهذا لا ينبغي إلا لله، وفيه معنى إشهاد المحلوف به على صدق الحالف وهذا لا يكون إلا بالنسبة لمن يعلم صدق الشيء

المحلوف عليه أو كذبه وليس هذا إلا لله - عز وجل- وكما أن المحلوف به يجب أن يكون ممن يملك عقاب الحالف به إذا حلف كاذباً وليس هذا إلا لله - عز وجل- وحده(28).

وبعد هذه المقدمة التي تحدثنا فيها عن تعريف الشرك وأنواعه ومظاهرة بقى الحديث عن نفي الشرك في القرآن الكريم، فهو أي النفي من جملة الأدلة التي استدل بها

القرآن الكريم على شهادة التوحيد للخالق سبحانه وتعالى، وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في ذلك فمنها:

1- الأمر بالتوحيد ونفي الشرك:


قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ

وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾
[النساء: 36].

ففي هذه الآية أمر الله تعالى بجملة من الأوامر وعلى رأسها العبادة له وحده، والنهي عن الإشراك به.

يقول ابن كثير: "يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته"(29)، وقد

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «تدري حق الله على عباده وما حق العباد على الله.قلت الله ورسوله أعلم:

قال فإن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا»(30).

فعندما أمر الله تعالى بالعبادة له بقوله: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ﴾ أمر بالإخلاص في العبادة بقوله:

﴿وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ لأن من عبد مع الله غيره كان مشركاً ولا يكون مخلصاً(31).

وقال سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 151].

2- دعوت الأنبياء إلى نفي الشرك: فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى نفي الشرك والرجوع إلى التوحيد والى كلمة العدل وهي أن نوحد الله فلا نعبد غيره ونبرأ من كل معبود سواه

فلا نشرك به شيئا قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].

أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه، وهي ﴿أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ لا وثنا ولا صليبا ولا صنما

ولا طاغوتا ولا نارا ولا شيئا بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له وهذه دعوة جميع الرسل(32) قال الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[يونس: 104- 105].

فالقرآن الكريم يركز على قضية التوحيد ويؤكد عليها، وينفي فكرة الولد والشريك، ويستبعد ذلك استبعاداً كاملاً، ويظهر زيف هذه الشبهة وسخفها.

3- أخذ العهد والميثاق على توحيده وعدم الإشراك به سبحانه.

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *

أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾
[الأعراف: 172- 173].

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة: 83].

ففي هذه الآية يذكر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك وأنهم تولوا عن ذلك كله وأعرضوا قصدا وعمدا فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وبهذا أمر جميع خلقه، وهذا

هو أعلى الحقوق وأعظمها وهو حق الله تبارك وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له(33).

4- نفي اتخاذ الولد والشريك:


فقد نفي سبحانه في كتابة العزيز ما نسب إليه من أهل الشرك من اتخاذ الولد والشرك تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا قال سبحانه:

﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّايَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91-92]. وقال سبحانه:

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ [الإسراء: 111].

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26].

5- وصية الله للأنبياء:

وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].

قال ابن كثير: "هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته

وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت أي أرشده إليه وسلمه له وأذن له في بنائه"(34).

ففي هذه الآية طعن على من أشرك من قطان البيت: أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأما أنتم فلم تفوا بل أشركتم(35).

وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ

وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾
[الأنعام: 13-14].

6- بيان مع عليه الأصنام من العجز والضعف: ومن طرق القرآن الكريم في نفي الشرك والشك بيان مع عليه الآلهة التي تعبد من دون الله - عز وجل،من العجز والضعف وعدم القدرة، وعدم الإرادة، فلا تملك حياة ولا موتاً

ولا نشوراً، لا تملك مثقال ذرة في هذا الوجود العظيم، لا تملك ضر أو نفع لمن استنجد بها وطلب منها العون وشواهد هذا في القرآن الكريم كثيرة منها:

أ- لا تملك مثقال في السموات أو في الأرض: قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي

السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا

لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
[سبأ: 22-23].

فالنفع والضر لا يكون إلا ممن فيه خصال أربع: إما مالك لما يريده عابده منه، أو شريك للمالك،

فإذا لم يكن شريك كان معينا له وظهير، فإذا لم يكن ظهير ولا شريك كان شفيعاً عنده، وفي هذه الآية نفي سبحانه هذا

المراتب نفيا مترتبا متنقلا من الأعلى إلى ما دونه فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة.

فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواداه لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع وفي قوم

قد خلوا من قبل،ولم يعقبوا وارثا وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن(36).

ب- لا تنفع و لا تضر:


قال سبحانه: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء

خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾
[الرعد: 16].

ج- لا تملك الموت والحياة: قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً﴾ [الفرقان: 3].

د- لا تملك حولاً ولا قوة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ

فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً﴾
[فاطر: 40].

وقال سبحانه مبيناً بأنها لا تستطيع الكيد لأحد من الخلق: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ

يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ﴾
[الأعراف195].

7- الاستفهام والتعجب: ومن أساليب القرآن الكريم في نفي الشرك الاستفهام والتعجب من الذي يعبد من لا يملك شيئاً من الأمر ولا ينفع و لا يضر.

و في ذلك توبيخ وتقريع لهم كيف يجعلون لله شريكا لا يخلق شيئا، ولا يقدر على نفع لهم، ولا دفع الضر عنهم قال سبحانه:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً

فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
[الأعراف: 189- 19].

يقول ابن كثير: "هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة لا تملك شيئا من الأمر ولا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها؛ بل هي

جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم ولهذا قال

: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك"(37).

ففي هذه الآيات الثلاث توبيخ للمشركين وإقامة الحجة عليهم، مُخاطب بها النبي صلى لله عليه وسلم والمسلمون، للتعجب من عقول هؤلاء المشركين، والاستفهام في لغة العرب مستعمل في التعجب والإنكار.(38)

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ

يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ

كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾
[الأعراف: 194-196].

ففي هذا الآية تقريع بالغ وتوبيخ لهم عظيم؛ لأن هؤلاء الذين جعلتموهم آلهة هم عباد لله كما أنتم عباد له مع أنكم أكمل منهم لأنكم أحياء تنطقون وتمشون

وتسمعون وتبصرون، وهذه الأصنام ليست كذلك ولكنها مثلكم في كونها مملوكة لله مسخرة لأمره.(39)

وهنا يقول ابن جرير في معنى الآية: "فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم فليستجيبوا

لدعائكم إذا دعوتموهم فإن لم يستجيبوا لكم لأنها لا تسمع دعاءكم فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر

لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سئل سمع مسألة سائله، وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع فضر من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب الضر"(40).

ثم بين عجز هذه الأصنام التي تدعا من دون الله - عز وجل- وأنها لا تملك الآلات التي يملكها الذين يدعونها فضلاً من أن تجيب ما يطلبون من النفع والضر فما أبلغ هذا التوبيخ لهم لو كانوا يعقلون.

وقال -عز وجل-: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: 43].

8- الشرك هو الظلم العظيم: فمن أساليب القرآن الكريم في نفي الشرك عن الحق تبارك وتعالى وصفه بالظلم العظيم

قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].

فهذه الآية الكريمة نهي عن الشرك ووصفته بأنه ظلم عظيم، وهي كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظالمين﴾ [يونس: 106].

فهو أعظم الظلم قال في التحرير والتنوير: قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ تعليل للنهي عنه وتهويل لأمره، فإنه ظلم لحقوق الخالق، وظلم المرء لنفسه إذ يضع نفسه في حضيض العبودية لأخس الجمادات، وظلم لأهل

الإيمان الحق إذ يبعث على اضطهادهم وأذاهم، وظلم لحقائق الأشياء بقلبها وإفساد تعلقها"(41).

وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الظلم ثلاثة: «فظلم لا يغفره الله وظلم يغفره الله وظلم لا يتركه الله فأما الظلم الذي

لا يغفره الله فالشرك وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم

العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض»(42).

9- الحوار بين أهل الإيمان وأهل الشرك:


قال- عز وجل-: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً *

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾
[الكهف: 37-42].

ففي هذا الحوار تبين فيه عاقبة أهل الإيمان،و مرد أهل الشرك هي الخيبة والخسران في الدنيا والآخرة.

فالمؤمن هنا أنكر على صاحبه شركه وكفره بخالقه -عز وجل- فالشرك سبب من أسباب الخسران والهلاك وضياع النعم

في الدنيا فلم يجد هذا الكافر إلا الندم على ما صدر منه والتوبة من الإشراك بالله -عز وجل-.

وفي حوار آخر بين أهل الإيمان المريدين الخير والسعادة للناس في الدنيا والنجاة من النار في الآخرة، وبين دعاة أهل النار من المشركين

قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى

وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ

وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾
[غافر: 40-42].

فالمؤمن يقول لهم ما بالي أدعوكم إلى النجاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله الله الذي بعثه

﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي على جهل بلا دليل ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾(43).

وهم يدعوه إلى النار بما يريدون منه من الشرك يقول الشوكاني في معنى الآية: "أدعوكم إلى النجاة من النار ودخول الجنة بالإيمان بالله وإجابة رسله،

وتدعونني إلى النار بما تريدونه مني من الشرك"(44).لأن الدعوة إلى الكفر بالله والإشراك به دعوة إلى النار(45).

10- الوعيد لأهل الشرك:

وقال تعالى: ﴿إنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء: 48].

فالله - عز وجل- لا يغفر لمن أشرك به ويغفر غير ذلك لمن يشاء،قال السعدي: "يخبر تعالى: أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة

ذلك، إذا اقتضت حكمتُه مغفرتَه"(46). ومن أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً، وهو في ضلال مبين قال تعالى:

﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ [النساء: 116].

فصاحبه في ضلال مبين قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئا،

وما لهم يوم القيامة: ﴿مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: 100-101](47).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان

لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله قال

الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]، وقال: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72]،

وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه

أو صلاة تركها فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة»(48).

وعن أبي إدريس قال: سمعت معاوية - رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا»(49).

والكفر والإشراك بالله مستوجب لدخول النار قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

وعن جابر -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله ما الموجبتان قال: من مات لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا وجبت له النار»(50).

ويقول سبحانه مبيناً حال المشرك بربه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ

فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
[الحج: 30-31].

11- والشرك من محبطات الأعمال:


قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ *

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[الزمر: 65-67].

العذاب في الدنيا والآخرة لأهل الشرك: قال - عز وجل-: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ

كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ﴾
[الرعد: 33-34].

فأهل الشرك موعودون بالعذاب في الدنيا على يد المؤمنين بالقتل والتنكيل والأسر، ولهم العذاب المدخر في الآخرة لا عاصم لهم منه.(51)

12- ضرب الأمثال:


وقد تنوعت هذه الأمثال بين بيان التوحيد لله سبحانه وتعالى، وبين الأصنام التي تعبد من دون الله سبحانه، وبين بيان كلمة التوحيد، وكلمة الشرك، وأمثلة لبيان الحق من الباطل، وبين الأمثلة المضروبة لبيان عجز آلهة

المشركين، وأمثلة حال الموحد لله سبحانه، وبين المشرك وغيرها كثير نشير إلى بعضها:

فمن الأمثلة المضروبة لتوحيد الله سبحانه: قوله تعالى:

﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي

مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
[الروم: 28].

يقول الإمام ابن القيم: وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم لا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يأخذ

الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؛ أي هل يشاركونكم في أموالكم وأهليكم، فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون

أن يقاسموكم أموالكم ويستأثرون ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه، فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي(52).

ومنها بيان عجز الأوثان عن الخلق: قال- عز وجل-:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73].

فالله - عز وجل - في هذه الآية يعلن إعلاناً عاماً وشاملاً للخليقة عن ضعف من يدعونهم من دون الله،في صورة عظيمة، صورة من لا يقدرون على منازلة الذباب، ولا على استنقاذ ما يسلبهم إياه الذباب، وهم آلهة كما يدعي لهم المشركون!(53).
لذلك يقول الحبيب المصطفى صلى لله عليه وسلم عن الحق تبارك وتعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة»(54).

ففي هذه المثال بيان لعجز هذه الأوثان عن الخلق فحقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، فالمعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره،

والآلهة التي تعبد من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه، ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا فيستنقذوه منه فلا هم قادرون على خلق أضعف الحيوانات، ولا

على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها،وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم(55).

13- آيات القدرة والعظمة في هذا الكون لبيان التوحيد وقبح الشرك:


ففي كثير من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن خلق السموات والأرض وما فيهما من آيات القدرة والإبداع تدعو إلى التوحيد ونفي الشرك عن الحق تبارك وتعالى يقول سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً

وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 21-22].

فمضمون هذه الآية بأن الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به، فلا ينبغي الإشراك بمن خصكم بهذه النعم

الجسام والآيات العظام،ولهذا قال: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(56).

وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: 61-62].

يقول ابن جرير: "هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار، و إيلاجي النهار في الليل لأني أنا الحق

الذي لا مثل لي ولا شريك و لا ند و أن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء بل هو المصنوع."(57)

وقال سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء

فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ...﴾ [النمل: 59-60].
فأفضل الأعمال وأساس الملة والدين هو التوحيد ونفي الشرك عن الحق تبارك وتعالى، ونفي الشرك هو نفي له بجميع أنواعه ونفي للبدعة والمعصية وهذا الشرك نفته جميع الأمم والرسالات التي أرسلها الله تبارك

وتعالى، "وهو أعظم ما نهى الله عنه كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أول دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله عز وجل ونفي الشرك فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك"(58).


والقرآن الكريم قد استخدم كثير من الأساليب كما تبين لنا لنفي الشرك عنه سبحانه وقد تنوعت بين الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وبين دعوة الأنبياء إلى نفي الشرك،و أخذ العهد والميثاق على ذلك، ونفي اتخاذ الولد

والشريك، مع بيان مع عليه الأصنام من العجز والضعف، والاستفهام والتعجب من شركهم، وتلك المحاورات بين أهل الإيمان وأهل الشرك،

واستخدام أسلوب التهديد والوعيد لأهل الشرك، وبيان خطورته، وضرب الأمثال، وبيان آيات القدرة والعظمة في هذا الكون.

ليتبين لنا بأن نفي الشرك عن المولى - عز وجل- من الأدلة التي استدل بها القرآن الكريم على شهادة التوحيد والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على إمام الموحدين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن

اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
________________________
(1) تفسير الطبري: 15/ 217. (2) صحيح البخاري: 4/ 1626، برقم: 4207، وصحيح مسلم: 1/ 90، برقم: 86. :::: (3) انظر تاج العروس: 1/ 6728(4) القاموس المحيط: 1/ 1220،

وانظر مفردات القرآن: 1/ 763. (5) بتصرف: مفردات القرآن: 1/ 763.

(6) مسند أحمد بن حنبل: 4/ 403، برقم: 19622، وانظر المعجم الأوسط: 4/ 10، برقم: 3479، وقال الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب،1/ 9، برقم 36.

(7) شرح الأصول الثلاثة ص: 42.ابن عثيمين. (8) أنظر القاموس المحيط: 1/ 1220.

(9) مفردات القرآن: 1/ 780. (10) نفس المصدر السابق.

(11) تفسير ابن كثير: 2/ 691، وانظر في تفسير الآية: تفسير القرطبي: 9/ 295، وفتح القدير: 3/ 139، وتفسير البيضاوي: 1/ 340. (12) بتصرف من روح المعاني: 13/ 195.

(13) بتصرف من معارج القبول: 2/ 459. (14) مدارج السالكين: 1/ 339.

(15) الكبائر: 1/ 9. (16) مجموع الفتاوى: 1/ 91. (17) المصدر السابق: 1/ 92.

(18) مسند أحمد بن حنبل: 5/ 429، برقم: 23686، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، وانظر المعجم الكبير للطبري: 4/ 253، برقم: 4301.

(19) المستدرك للحاكم: 4/ 365، برقم: 7937، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح، وانظر شعب الإيمان: 5/ 337، برقم: 6842،

وقال الألباني: صحيح، انظر صحيح الترغيب والترهيب: 1/ 9، برقم: 35.
(20) سنن أبي داود: 2/ 242، برقم: 3251، وانظر صحيح ابن حبان: 10/ 199، برقم: 4358، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 1115، برقم: 11149. (21) مدارج السالكين: 1/ 344. (

22) انظر شرح قصيدة ابن القيم: 2/ 263، أحمد بن عيسى. (23) مجموع الفتاوى: 1/ 159.

(24) صحيح مسلم: 3/ 1567، برقم: 1978. (25) شرح النووي على مسلم: 13/ 141.(26) سبق تخرجه في ص: 5.

(27) صحيح البخاري: 4/ 1841، برقم: 4579، ومسلم: 1/ 45، برقم: 1297.

(28) بتصرف فقه التوحيد من شرح الطحاوية وفتح المجيد ص: 76، خالد عبد الرحمن العكك، دار إحياء التراث.

(29) تفسير ابن كثير: 2/ 297، وانظر تفسير الطبري: 8/ 333.

(30) صحيح البخاري: 3/ 1049، برقم: 2701، وبنحو هذا رواه مسلم: 1/ 58، برقم: 30.(31) تفسير الرازي: 5/ 199.

(32) بتصرف من تفسير ابن كثير: 1/ 494، وانظر تفسير الطبري: 3/ 299، وتفسير الرازي: 4/ 246.

(33) بتصرف من تفسير ابن كثير: 1/ 169. (34) تفسير ابن كثير: 3/ 290. (35) فتح القدير: 3/ 640.

::::::: (36) بتصرف من مدارج السالكين: 1/ 343. (37) تفسير ابن كثير: 2/ 366.

(38) بتصرف من التحرير والتنوير: 6/ 42. (39) بتصرف فتح القدير: 2/ 404.

(40) تفسير الطبري: 6/ 149. (41) التحرير والتنوير: 11/ 121.

(42) مسند الطيالسي: 1/ 282،برقم 2109، ورواه البيهقي في شعب الإيمان: 6/ 52، برقم: 7473، وقال الألباني: حسن، انظر: الجامع الصغير وزيادته: 1/ 741،برقم: 7408.

(43) تفسير ابن كثير: 4/ 103. :::: (44) فتح القدير: 4/ 704.

(45) أضواء البيان: 7/ 80. ::: (46) تفسير السعدي: 1/ 181. ::: (47) نفس المصدر السابق.

(48) الحديث رواه الإمام احمد في المسند: 6/ 240، برقم: 26073، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف

لضعف صدقة بن موسى، ورواه الحاكم في المستدرك: 4/ 619، برقم: 8717، وقال: هذا حديث صحيح

الإسناد ولم يخرجاه، وقال الشيخ الألباني: ضعيف، انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 677، برقم: 6767.

(49) سنن أبي داود: 2/ 505، برقم: 4270، وقال الألباني: صحيح، انظر الجامع الصغير وزيادته:

1/ 866، برقم 8653، وسنن النسائي: 7/ 81، برقم: 3984. (50) صحيح مسلم: 1/ 94، برقم 93.

(51) بتصرف من تفسير ابن كثير: 4/ 464. :: (52) باختصار من إعلام الموقعين: 1/ 159. (53) بتصرف من ظلال القرآن: 5/ 210.

(54) صحيح البخاري: 5/ 2220، برقم: 5609، ومسلم: 3/ 1671، برقم: 2111.

(55) بتصرف من إعلام الموقعين: 1/ 181.

(56) بتصرف من تفسير ابن كثير: 1/ 88، وانظر تفسير البيضاوي: 1/ 222.

(57) تفسير الطبري: 9/ 183. ::: (58) معارج القبول: 2/ 481
.






التوقيع

رد مع اقتباس
 
 

   
مواقع النشر
 

   
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الصور الحديثة للزواج في ضوء ضوابط عقد الزواج الشرعي ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 0 08-05-2016 12:13 AM
الصور الحديثة للزواج في ضوء ضوابط عقد الزواج الشرعي ابراهيم الحسين منتدي المرأة الأورباوية 2 11-28-2015 05:19 PM
- مقاصد الشريعة - :غض البصر ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 0 05-05-2015 06:59 PM
أهم الطرق الحديثة لتنمية المهارات الإدراكية لدى الأطفال ابراهيم الحسين منتدى أطفال أوربى 0 04-30-2013 01:13 PM
وسائل التقنية الحديثة في خدمة الدعوة ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 3 04-14-2013 01:43 PM
 

   
يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

flagcounter


Loading...


جميع المواضيع والمشاركات المطروحه تعبر عن وجهه نظر الكاتب ولا علاقه لملتقيات أوربى بها

Security team

  تصميم علاء الفاتك    http://www.moonsat/vb تصميم علاء الفاتك     http://www.moonsat.net/vb