الرئيسية التسجيل مكتبي     البحث الأعضاء الرسائل الخاصة



   
العودة   ملتقيات أبناء اوربي > المنتديات العامة > المنتدى الأسلامى
 
المنتدى الأسلامى خاص بكل ما يتعلق بديننا الأسلامى ويناقش قضايا الدين المعاصرة


تفسير سورة الاخلاص

خاص بكل ما يتعلق بديننا الأسلامى ويناقش قضايا الدين المعاصرة


 
   
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
   
قديم 01-28-2019, 06:27 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو

إحصائية العضو







ابراهيم الحسين is on a distinguished road

 

ابراهيم الحسين غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابراهيم الحسين المنتدى : المنتدى الأسلامى
افتراضي رد: تفسير سورة الاخلاص

.قال ابن الجوزي:
{قُلْ هُوَ الله أحد} وفيها قولان:

أ
حدهما: أنها مكية، قاله ابن مسعود، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر.

والثاني: مدنية، روي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك.

وقد روى البخاري في أفراده من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده

إنها لَتَعْدِل ثُلُثَ القرآن» وروى مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنها تعدل ثلث القرآن».
وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال:

أحدها: أن المشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك، فنزلت هذه السورة، قاله أُبَيّ بن كعب.

والثاني: أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إلام تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله عز وجل.

قال: صفه لي، أمن ذهب هو، أو من فضة، أو من حديد، فنزلت هذه السورة، قاله ابن عباس.

والثالث: أن الذين قالوا هذا، قوم من أحبار اليهود قالوا: من أي جنس هو، وممن ورث الدنيا، ولمن يورِّثها؟ فنزلت هذه السورة، قاله قتادة، والضحاك.

قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، {أحد اللهُ} وقرأ أبو عمرو {أحد اللهُ} بضم الدال، ووصلها باسم الله.

قال الزجاج: هو كناية عن ذكر الله عز وجل.

والمعنى: الذي سألتم تبيين نسبته هو الله و{أحد} مرفوع على معنى: هو أحد، فالمعنى: هو الله، وهو أحد.

وقرئت {أحد اللهُ الصمد} بتنوين أحد.

وقرئت {أحد الله} بترك التنوين، وقرئت بإسكان الدال {أحد اللهُ}، وأجودها الرفع بإثبات التنوين، وكُسِرَ التنوين

لسكونه وسكون اللام في {الله}، ومن حذف التنوين، فلالتقاء الساكنين أيضًا، ومن أسكن أراد الوقف ثم ابتدأ {الله الصمد} وهو أردؤها.

فأما {الأحد} فقال ابن عباس، وأبو عبيدة: هو الواحد.

وفرَّق قوم بينهما.

وقال أبو سليمان الخطابي: الواحد: هو المنفرد بالذات، فلا يضاهيه أحد.

والأحد: هو المنفرد بالمعنى، فلا يشاركه فيه أحد.

وأصل {الأحد} عند النحويين: الوحد، ثم أبدلوا من الواو الهمزة.

وفي {الصمد} أربعة أقوال.

أحدها: أنه السيِّد الذي يُصْمَدُ إليه في الحوائج، رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الصمد: السيد الذي قد كمل في سؤْدُدِه.

قال أبو عبيدة: هو السيد الذي ليس فوقه.

أحد والعرب تسمي أشرافها: الصَّمد.
قال الأسدي:

لَقَدْ بَكَّرَ النَّاعي بِخَيْريْ بَني أَسَدْ ** بعمرو بن مَسْعودٍ وبالسَّيدِ الصَّمَدْ

وقال الزجاج: هو الذي ينتهي إليه السُّؤدُد، فقد صمد له كل شيء قصد قصده.

وتأويل صمود كل شيء له: أن في كل شيء أثر صُنْعه.

وقال ابن الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد: السيد الذي ليس فوقه أحد يصمد إليه الناس في أمورهم وحوائجهم.

والثاني: أنه الذي لا جوف له، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن جبير، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي.

وقال ابن قتيبة: فكأن الدال من هذا التفسير مبدلة من تاء، والمصمت من هذا.
والثالث: أنه الدائم.
والرابع: الباقي بعد فناء الخلق، حكاهما الخطابي وقال: أصح الوجوه الأول، لأن الاشتقاق يشهد له، فإن أصل ا

لصمد: القصد.
يقال: اصمد صمد فلان، أي اقصد قصده.

فالصمد: السيد الذي يصمد إليه في الأمور، ويقصد في الحوائج.

قوله تعالى: {لم يلد} قال مقاتل: لم يلد فيورَّث {ولم يولد} فيشارَك، وذلك أن مشركي العرب قالوا: الملائكة بناتُ الرحمن.

وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فبرَّأ نفسه من ذلك.

قوله تعالى: {ولم يكن له كُفُوًا أحد} قرأ الأكثرون بالتثقيل والهمز.

ورواه حفص بالتثقيل وقلب الهمز واوًا.

وقرأ حمزة بسكون الفاء.

والكفء: المثل المكافئ.
وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولم يكن له أحد كُفُوًا، فقدَّم وأخرَّ لتتفق رؤوس الآيات. اهـ..

.قال القرطبي:قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الله أحد}

أي الواحد الوِتر، الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك.

وأصل {أحد}: وَحَدٌ؛ قُلِبت الواو همزة.

ومنه قول النابغة:
بذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ

وقد تقدّم في سورة (البقرة) الفرق بين وأحد وأحد، وفي كتاب (الأَسْنَى، في شرح أسماء الله الحسنى) أيضًا مُسْتَوفًى. والحمدُ لله.

و{أحد} مرفوع، على معنى: هو أحد.وقيل: المعنى: قل: الأمرُ والشأن: اللَّهُ أحد.

وقيل: {أحد} بدل من قوله: (الله).

وقرأ جماعة {أحد اللَّه} بلا تنوين، طلبًا للخفة، وفرارًا منِ التقاء الساكنين؛ ومنه قول الشاعر:

ولا ذاكرَ اللَّهَ إلاّ قَلِيلاَ

{الله الصمد} أي الذي يُصْمَد إليه في الحاجات.
كذا رَوَى الضحاك عن ابن عباس، قال: الذي يُصْمَد إليه في الحاجات؛ كما قال عز وجل: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53].
قال أهل اللغة: الصمد: السيد الذي يُصْمد إليه في النوازل والحوائج.
قال:
أَلاَ بَكَّر الناعِي بِخيرِ بنِي أَسَدْ ** بعمرِو بن مَسْعُودٍ بالسيدِ الصَّمَد

وقال قوم: الصَّمَدُ: الدائم الباقي، الذي لم يزل ولا يزال.

وقيل: تفسيره ما بعده {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولد}.

قال أُبَيُّ بنُ كَعْب: الصَّمَدُ: الذي لا يلِدُ ولا يُولد؛ لأنه ليس شيء إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا يُورث.

وقال علي وابن عباس أيضًا وأبو وائل شقِيق بن سلمة وسفيان: الصَّمَد: هو السيد الذي قد انتهى سُودَدُه في أنواع الشرف والسُّودَد؛ ومنه قول الشاعر:

عَلَوتُهُ بحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ** خُذْهَا حُذَيفَ فأنتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ

وقال أبو هريرة: إنه المستغنِي عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد.

وقال السدّيّ: إنه: المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب.

وقال الحسين بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

وقال مقاتل: إنه: الكامل الذي لا عيب فيه؛ ومنه قول الزبرِقان:

سِيروا جميعًا بِنِصفِ الليلِ واعتمِدُوا ** ولا رَهِينةَ إلاّ سَيِّدٌ صَمَدُ

وقال الحسن وعِكرمة والضحاك وابن جُبير: الصَّمَد: المُصْمَتُ الّذي لا جَوْف له؛ قال الشاعر:

شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُه ** عَوَابِسَ يَعْلُكْن الشكِيمَ المُصَمَّدا

قلت: قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصَّمَد، في (كتاب الأَسنَى) وأن الصحيح منها ما شهد له الاشتقاق؛ وهو القول الأوّل، ذكره الخَطَّابي.

وقد أسقط مِن هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ: {اللَّهُ الواحد الصَّمَدُ} في الصلاة، والناس يستمعون، فأَسْقَط: (قُلْ هو)، وزعم أنه ليس من القرآن.

وغيَّر لفظ (أحد)، وادعى أن هذا هو الصواب، والذي عليه الناس هو الباطل والمحال؛ فأبطل معنى الآية؛ لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابًا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صِفْ لَنَا رَبَّك، أمِن

ذهب هو أم مِن نحاس أم مِن صُفْر؟ فقال الله عز وجل ردًا عليهم: {قُلْ هُوَ الله أحد} ففي {هُوَ} دلالة

على موضع الردّ، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ورَوى الترمذي عن أُبيّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انْسُبْ لنا ربك؛ فأنزل الله عز وجل: {قُلْ هُوَ الله أحد الله الصمد}.

والصَّمَد: الذي لم يلد ولم يُولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث.

{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد}: قال: لم يكن له شبيه ولا عدْل، وليس كمثله شيء.

ورُوِي عن أبي العالية: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا: انْسُب لنا رَبّك.

قال: فأتاه جبريل بهذه السورة {قُلْ هُوَ الله أحد}، فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أُبيّ بن كعب، وهذا أصح؛ قاله الترمذيّ.

قلت: ففي هذا الحديث إثبات لفظ {قُلْ هُوَ الله أحد} وتفسير الصَّمَد، وقد تقدّم.

وعن عكرمة نحوه.
وقال ابن عباس: {لَمْ يَلِدْ} كما ولدتْ مَرْيَم، ولم يُولد كما ولد عيسى وعُزَيرٌ.

وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عُزيرٌ ابن الله.

{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد} أي لم يكن له مِثلًا أحد.


وفيه تقديم وتأخير؛ تقديره: ولم يكن له كفوًا أحد؛ فقدّم خبر كان على اسمها، لينساقَ أواخرُ الآي على نظم وأحد.

وقرئ: {كُفُوًا} بضم الفاء وسكونها.

وقد تقدّم في (البقرة) أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوّله مضموم، فإنه يجوز في عينه

الضم والإسكان؛ إلا قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] لِعِلة تقدّمت.

وقرأ حفص {كفوًا} مضموم الفاء غير مهموز.وكلها لغات فصيحة.

القول في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة؛ وفيه ثلاث مسائل:

الأولى: ثبت في صحيح البخاريّ عن أبي سعيد الخُدْريّ: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ {قُلْ هُوَ الله أحد}

يردّدها؛ فلما أصبح جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكان الرجل يَتقالها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثُلُثَ القرآن» وعنه قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجِز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة»

فشَقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطِيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «اللَّهُ الواحد الصَّمد ثُلُثُ القرآن» خرجه مسلم من حديث أبي الدرداء بمعناه.

وخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احْشِدوا فإني سأقرأ عليكُم ثلثَ القرآن»، فحشدَ

مَنْ حَشَد؛ ثم خرج نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقرأ {قُلْ هُوَ الله أحد} ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبرًا جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله.

ثم خرج فقال: «إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن، أَلاَ إنّها تَعْدِل ثلثَ القرآن».

قال بعض العلماء: إنها عَدَلَت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم، الذي هو {الصَّمَد}، فإنه لا يوجد في غيرها من السُّور.
وكذلك {أحد}.
وقيل: إن القرآن أنزل أثلاثًا، ثلثًا منه أحكام، وثلثًا منه وعد ووعيد، وثلثًا منه أسماء وصفات؛ وقد جمعت {قُلْ هُوَ الله أحد} أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصّفات.

ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم، من حديث أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله جلّ وعز جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل

{قُلْ هُوَ الله أحد} جزءًا من أجزاء القرآن» وهذا نَصُّ؛ وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص، والله أعلم.

الثانية: روى مسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سَرِية، وكان يقرأ

لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ: {قُلْ هُوَ الله أحد}؛ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «سَلُوهُ لأيّ

شَيء يصْنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحِبُّ أن أقرأ بها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله عز وجل يحبه».

وروى الترمذيّ عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قُباء، وكان كلما افتتح سورة

يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها، افتتح بـ: {قُلْ هُوَ الله أحد}؛ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان

يصنع ذلك في كل ركعة؛ فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تَجْزيك حتى تقرأ

بسُورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى؟ قال: ما أنا بتاركها وإن أحببتم أن أؤمّكم بها

فعلت، وإن كرهتم تركتكم؛ وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمّهم غيره؛ فلما أتاهم النبيّ صلى الله

عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل

ركعة؟» فقال: يا رسول الله، إني أحبها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ حُبَّها أدْخَلَكَ الجَنَّة» قال: حديث حسن غريب صحيح.

قال ابن العربيّ: فكان هذا دليلا على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة.

وقد رأيت على باب الأسباط فيما يقرب منه، أماما من جملة الثمانية والعشرين أماما، كان يصلي فيه

التراويح في رمضان بالأتراك؛ فيقرأ في كل ركعة {الحمد لله} و{قل هو الله أحد} حتى يتِم التراويح؛ تخفيفًا عليه، ورغبة

في فضلها وليس من السنة ختم القرآن في رمضان.

قلت: هذا نص قول مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنة.

الثالثة: روى الترمذيّ عن أنس بن مالك قال: أقبلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فسمع رجلًا يقرأ {قُلْ هُوَ الله أحد}؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت».

قلت: وما وجبت؟ قال: «الجنة» قال: هذا حديث حسن صحيح.

قال الترمذي: حدّثنا محمد بن مرزوق البصريّ قال حدّثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البُنَانِيّ عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد، مُحِيَ عنه ذنوب

خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين» وبهذا الإسناد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ {قُلْ هُوَ الله أحد}

مائة مرة، فإذا كان يومَ القيامة يقول الرب: يا عبدي، ادخل على يمينك الجنة» قال: هذا حديث غريب من حديث ثابت عن أنس.

وفي مسند أبي محمد الدارميّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ {قُلْ هُوَ الله أحد} خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين سنة» قال: وحدّثنا عبد الله بن يزيد قال: حدّثنا حَيْوة قال:

أخبرني أبو عَقيل: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ {قُلْ هُوَ الله أحد} عشر مرات بُنِي له قصر في الجنة.

ومن قرأها عشرين مرة بُنِي له بها قصران في الجنة.

ومن قرأها ثلاثين مرة بُنِي له بها ثلاثة قصور في الجنة.

فقال عمر بن الخطاب: واللَّهِ يا رسول الله إذًا لَنُكْثِرَنّ قصورنا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أوسع من ذلك» قال أبو محمد: أبو عقيل زُهْرة بن معبد، وزعموا أنه كان من الأبدال.

وذكر أبو نَعِيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأ {قُلْ هُوَ الله أحد} في مرضه الذي يموت فيه، لم يَفْتَن في قبره. وأمن من ضغطةِ القبر.

وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة» قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرد به نصر بن حماد البَجَليّ.

وذكر أبو بكر أحمد بن علي ابن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال سمعت مالك بن أنس يقول:

إذا نُقِس بالناقوس اشتدّ غضب الرحمن، فتنزل الملائكة، فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون {قُلْ هُوَ الله أحد} حتى يسكُن غضبُه جل وعز.

وخَرّج من حديث محمد بن خالد الجَنَدِيّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من دخل يوم الجمعة المسجد، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و{قُلْ هُوَ الله أحد}

خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات، لم يَمُتْ حتى يرى منزله في الجنة أو يُرَى له» وقال أبو عُمر مولى جرير بن عبد الله البجلِيّ، عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من قرأ {قُلْ هُوَ الله أحد} حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزِل وعن الجيران».

وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ {قُلْ هُوَ الله أحد} مرة بورِك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة

بنى الله له اثني عشر قصرًا في الجنة، وتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا، فإن قرأها مائة مرة كفّر الله عنه ذنوب خمسين سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة، ما

خلا الدماء والأموال، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له».

وعن سهل بن سعد الساعديّ قال: شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلتَ البيت فسلِّمْ إن كان فيه أحد، وإن لم يكن فيه أحد فسلم على، واقرأ

{قُلْ هُوَ الله أحد} مرة واحدة». ففعل الرجل فأدرّ الله عليه الرزق، حتى أفاض عليه جيرانه.

وقال أنس: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتَبُوكَ، فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ونور، لم أرها فيما

مضى طلعت قط كذلك، فأتى جبريل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا جبريلُ، ما لي أرى الشمس

طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط؟» فقال: ذلك لأن معاوية بن معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم، فبعث الله سبعين ألف ملك يُصَلُّون عليه.

قال: «ومِمّ ذلك»؟ قال: كان يكثر قراءة {قُلْ هُوَ الله أحد} آناء الليل وآناء النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك

يا رسول الله أن أقبض لك الأرض، فتصلي عليه؟ قال: «نعم» فصلى عليه، ثم رجع. ذكره الثعلبي، والله أعلم. اهـ.

.قال ابن كثير:تفسير سورة الإخلاص:وهي مكية.ذكر سبب نزولها وفضيلتها:

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعد محمد بن مُيَسّر الصاغاني، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب: أن المشركين

قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُو لَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد}.

وكذا رواه الترمذي، وابن جرير، عن أحمد بن منيع- زاد ابن جرير: ومحمود بن خِدَاش- عن أبي سعد محمد بن مُيَسّر به- زاد ابن جرير والترمذي- قال: {الصَّمَدُ} الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت،

وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله جل جلاله لا يموت ولا يورث، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد} ولم يكن له شبه ولا عدل، وليس كمثله شيء.

ورواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي سعد محمد بن مُيَسّر، به. ثم رواه الترمذي عن عبد ابن حميد، عن عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر،

عن الربيع، عن أبي العالية، فذكره مرسلا ولم يذكر (أخبرنا). ثم قال الترمذي: هذا أصح من حديث أبي سعد.

حديث آخر في معناه: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا سُرَيج بن يونس، حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر:

أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: انسب لنا ربك. فأنزل الله، عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} إلى آخرها. إسناده مقارب.

وقد رواه ابن جرير عن محمد بن عوف، عن سُرَيج فذكره. وقد أرسله غير واحد من السلف.

وروى عُبيد بن إسحاق العطار، عن قيس بن الربيع، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فنزلت هذه السورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد}.


قال الطبراني: رواه الفريابي وغيره، عن قيس، عن أبي عاصم، عن أبي وائل، مرسلا. ثم رَوَى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عثمان الطائفي، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء نسبة، ونسبة الله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد اللَّهُ الصَّمَدُ} والصمد ليس بأجوف».

حديث آخر في فضلها: قال البخاري: حدثنا محمد- هو الذُهليّ- حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو، عن ابن أبي هلال: أن أبا الرجال مُحمد بن عبد الرحمن حَدثه، عن أمه عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن- وكانت

في حِجْر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سَريَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه

وسلم، فقال: «سلوه: لأيّ شيء يصنع ذلك؟» فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله تعالى يحبه».

هكذا رواه في كتاب (التوحيد). ومنهم من يسقط ذكر (محمد الذّهلي). ويجعله من روايته عن أحمد بن صالح. وقد رواه مسلم والنسائي أيضًا من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، به.


حديث آخر: قال البخاري في كتاب الصلاة: وقال عُبَيد الله عن ثابت، عن أنس قال: كان رجل من الأنصار

يَؤمَهم في مسجد قُبَاء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} حتى

يَفرُغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلَّمه أصحابه فقالوا:

إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئُك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتَقرأ بأخرى. فقال: ما أنا

بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يَرَونَ أنه من أفضلهم، وكرهوا

أن يَؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به

أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟».

قال: إني أحبها.قال: «حُبك إياها أدخلك الجنة».

هكذا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به. وقد رواه أبو عيسى الترمذي في جامعه، عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس،

عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عُبَيد الله بن عمر، فذكر بإسناده مثله سواء. ثم قال الترمذي: غريب من حديث عبيد الله، عن ثابت.

قال: وروى مُبَارك بن فَضالة، عن ثابت، عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أحب هذه السورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} قال:

«إن حُبَّك إياها أدخلك الجنة».وهذا الذي علقه الترمذي قد رواه الإمام أحمد في مسنده متصلا فقال:

حدثنا أبو النضر، حدثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

إني أحب هذه السورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حبك إياها أدخلك الجنة».

حديث في كونها تعدل ثلث القرآن: قال البخاري: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن

عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أبيه، عن أبي سعيد. أن رجلا سمع رَجُلا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} يرددها،

فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن». زاد إسماعيل بن جعفر، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد

الله، عن أبيه، عن أبي سعيد قال: أخبرني أخي قتادة بن النعمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد رواه البخاري أيضا عن عبد الله بن يوسف، والقَعْنَبِيّ. ورواه أبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، كلهم

عن مالك، به. وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي من طريقين، عن إسماعيل بن جعفر، عن مالك، به.

حديث آخر: قال البخاري: حدثنا عُمَر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم والضحاك المَشْرِقيّ،

عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في

ليلة؟». فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يُطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن».

تفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النَّخعي والضحاك بن شُرَحبيل الهمداني المشرقي، كلاهما عن أبي سعيد، قال القَرَبرِيّ:

سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراقُ أبي عبد الله قال: قال أبو عبد الله البخاري: عن إبراهيم مرسل، وعن الضحاك مسند.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم،

عن أبي سعيد الخدري قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} فذكر ذلك للنبي صلى الله

عليه وسلم، فقال: «والذي نفسي بيده، لَتَعدلُ نصف القرآن، أو ثلثه».

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حُييّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو: أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث

القرآن كل ليلة؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟ قال: فإن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} ثلث القرآن.

قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع أبا أيوب، فقال: «صدق أبو أيوب».

حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسَان، أخبرني أبو حَازم،

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احشُدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث

القرآن». فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} ثم دخل فقال بعضنا لبعض:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن». إني لأرى هذا خبرًا جاء من

السماء، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن».

وهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن محمد بن بشار، به وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، واسم أبي حازم سلمان.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة بن قُدَامة، عن منصور، عن هلال بن يَساف،

عن الربيع بن خُثَيم عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي

أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد اللَّهُ الصَّمَدُ} في ليلة، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن».

هذا حديث تُسَاعيّ الإسناد للأمام أحمد. ورواه الترمذي والنسائي، كلاهما عن محمد بن بشار بندار-

زاد الترمذي وقتيبة- كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، به. فصار لهما عُشَاريا. وفي رواية الترمذي: (عن امرأة أبى

أيوب، عن أبي أيوب)، به وحسنه. ثم قال: وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي سعيد، وقتادة بن النعمان،

وأبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وأبي مسعود. وهذا حديث حسن، ولا نعلم أحدا رَوَى هذا الحديث أحسن من رواية

زائدة. وتابعه على روايته إسرائيل، والفضيل بن عياض. وقد رَوَى شُعبةُ وغير واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور واضطربوا فيه.

حديث آخر: قال أحمد: حدثنا هُشَيْم، عن حُصَين، عن هلال بن يَسَاف، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب- أو: رجل من

الأنصار- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} فكأنما قرأ بثلث القرآن».

ورواه النسائي في (اليوم والليلة)، من حديث هُشَيم، عن حُصَين، عن ابن أبي ليلى، به. ولم يقع في روايته: هلال بن يساف.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا وَكيع، عن سفيان، عن أبي قيس عن عمرو بن ميمون، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} تعدُل ثلث القرآن».

وهكذا رواه ابن ماجة، عن علي بن محمد الطَّنافسي، عن وَكيع، به. ورواه النسائي في (اليوم والليلة) من طرق أخر، عن عمرو بن ميمون، مرفوعًا وموقوفًا.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا بَهْز، حدثنا بُكَير بن أبي السَّميط حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد،

عن مَعْدَان بن أبي طلحة، عن أبي الدّرداء، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجزُ أحدكم أن يَقرأ كلّ يوم ثلث القرآن؟».

قالوا: نعم يا رسول الله، نحن أضعفُ من ذلك وأعجز.

قال: «فإن الله جَزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} ثلث القرآن».

ورواه مسلم والنسائي، من حديث قتادة، به.

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أمية بن خالد، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم- ابن أخي ابن شهاب- عن عمه الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن- هو ابن عوف- عن أمه- وهي: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط-

قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} تَعدلُ ثُلُثَ القرآن».

وكذا رواه النسائي في (اليوم والليلة)، عن عمرو بن علي، عن أمية بن خالد، به. ثم رواه من طريق مالك، عن الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، قوله. ورواه النسائي أيضا في (اليوم والليلة) من حديث محمد بن

إسحاق، عن الحارث بن الفُضَيل الأنصاري، عن الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن: أن نَفَرًا من أصحاب

محمد صلى الله عليه وسلم حَدثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} تَعدلُ ثُلُثَ القرآن لمن صلى بها».

حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة: قال الإمام مالك بن أنس، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عُبيد بن حُنَين قال:

سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع رجلا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد}

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ».قلت: وما وَجَبت؟ قال: «الجنة».

ورواه الترمذي والنسائي، من حديث مالك.

وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك.

وتقدم حديث: «حُبّك إياها أدخلك الجنة».

حديث في تكرار قراءتها: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا قَطن بن نُسير، حدثنا عيسى ابن ميمون القرشي، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أما يستطيع أحدكم أن يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} ثلاث مرات في ليلة فإنها تعدلُ ثلث القرآن؟».

هذا إسناد ضعيف، وأجود منه حديث آخر، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المُقَدمي،

حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن أسيدُ ابن أبي أسيد، عن معاذ بن عبد الله بن خُبيب، عن أبيه قال:

أصابنا طَش وظلمة، فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، فخرج فأخذ بيدي، فقال: «قل». فسكت.قال: «قل».

قلت: ما أقول؟ قال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا، تكفك كل يوم مرتين».

ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث ابن أبي ذئب، به.

وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه النسائي من طريق أخرى، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، فذكره ولفظه: «يكفك كل شيء».


حديث آخر في ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، حدثني الخليل بن مرة، عن الأزهر بن عبد الله، عن تميم الداري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله واحدًا

أحدا صمدًا، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحدا، عشر مرات، كُتِب له أربعون ألف ألف حسنة».

تفرد به أحمد والخليل بن مُرّة: ضعفه البخاري وغيره بمُرّة.

حديث آخر: قال أحمد أيضا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} حتى يختمها،

عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة. فقال عمر: إذن نستكثر يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: الله أكثر وأطيب». تفرد به أحمد.

ورواه أبو محمد الدارمي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد- قال الدارمي: وكان من الأبدال- أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «من

قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة».

فقال عمر بن الخطاب: إذا لتكثر قصورنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أوسع من ذلك». وهذا مرسل جيد.

حديث آخر: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا نصر بن علي، حدثني نوح بن قيس، أخبرني محمد العطار، أخبرتني أم كثير الأنصارية، عن أنس بن مالك،

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} خمسين مرة غُفرت له. ذنوب خمسين سنة» إسناده ضعيف.

حديث آخر: قال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع، حدثنا حاتم بن ميمون، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ في يوم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} مائتي مرة، كتب الله له ألفًا وخمسمائة حسنة إلا أن

يكون عليه دين». إسناده ضعيف، حاتم بن ميمون: ضعفه البخاري وغيره. ورواه الترمذي، عن محمد بن مرزوق البصري،

عن حاتم بن ميمون، به. ولفظه: «من قرأ كل يوم، مائتي مرة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دَين».

قال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب،

عز وجل: يا عبدي، ادخُل على يمينك الجنة». ثم قال: غريب من حديث ثابت، وقد رُوي من غير هذا الوجه، عنه.

وقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حَبّان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} مائتي مرة، حط الله عنه ذنوب مائتي سنة». ثم قال:

لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر، والأغلب بن تميم، وهما متقاربان في سوء الحفظ.

حديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء: قال النسائي عند تفسيرها: حدثنا عبد الرحمن بن خالد، حدثنا

زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مِغْول، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه: أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه

وسلم المسجد فإذا رجل يصلي، يدعو يقول: اللهم، إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.

قال: «والذي نفسي بيده، لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب».

وقد أخرجه بَقِيَّة أصحاب السنن من طُرُق، عن مالك بن مِغْول، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، به.

وقال الترمذي: حسن غريب.
حديث آخر في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة: قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الأعلى،

حدثنا بشر بن منصور، عن عمر بن نبهان عن أبي شداد، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم: «ثلاث من جاء بِهِنّ مع الإيمان دَخَل من أيّ أبواب الجنة شاء، وزُوّج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله،

وأدى دينا خفيا. وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد}. قال: فقال أبو بكر:

أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: أو إحداهن». حديث في قراءتها عند دخول المنزل: قال الحافظ أبو القاسم الطبراني:

حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر السراج العسكري، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان، عن

مروان بن سالم، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران». إسناده ضعيف.


حديث في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي،

حدثنا يزيد بن هارون، عن العلاء بن محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه

وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت فيما مضى بمثله، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه

وسلم فقال يا جبريل، ما لي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت بمثله فيما مضى؟.

قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي، مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه.

قال: وفيم ذلك؟ قال: كان يكثر قراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} في الليل وفي النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: نعم. فصلى عليه».

وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (دلائل النبوة) من طريق يزيد بن هارون، عن العلاء أبي محمد- وهو متهم بالوضع- فالله أعلم.

طريق أخرى: قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله، حدثنا عثمان بن الهيثم- مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي- عن محمود أبي عبد الله عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس قال: نزل جبريل على

النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مات معاوية بن معاوية الليثي، فتحب أن تصلي عليه؟ قال: (نعم). فضرب بجناحه الأرض، فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت، فرفع سريره فنظر إليه، فكبر عليه وخلفه صفان من

الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل، بم نال هذه المنزلة من الله تعالى؟».

قال بحبه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} وقراءته إياها ذاهبًا وجائيًا قائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال.

ورواه البيهقي، من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن، عن محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، فذكره. وهذا هو الصواب،

ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور. وقد روي هذا من طرق أخر، تركناها اختصارًا، وكلها ضعيفة.

حديث آخر في فضلها مع المعوذتين: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتدأته

فأخذتُ بيده، فقلت: يا رسول الله، بم نجاة المؤمن؟ قال: «يا عقبة، احْرُسْ لسانك وليسعك بيتُك، وابْكِ على خطيئتك».

قال: ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: «يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير

ثلاث سُوَر أنزلت في التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم؟».قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك
.
قال: فأقرآني: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم قال: «يا عقبة، لا تَنْسَهُن ولا تُبتْ ليلة حتى تقرأهن».

قال: فما نسيتهن منذ قال: «لا تنسهن»، وما بت ليلة قط حتى أقرأهن.

قال عقبة، ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: «يا عقبة، صِلْ من قطعك، وأعْطِ من حَرَمَك، وأعرض عمن ظلمك».

روى الترمذي بعضه في (الزهد)، من حديث عُبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد وقال: هذا حديث حسن. وقد رواه أحمد من طريق آخر:

حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ابن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخَثْعَمي، عن فرْوَة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء. تفرد به أحمد.


حديث آخر في الاستشفاء بهن: قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كُل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ

فيهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده،

يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات». وهكذا رواه أهل السنن، من حديث عُقَيل، به.

بسم الله الرحمن الرحيم
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولد (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد (4)} قد تقدم ذكر سبب نزولها.

وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عُزيرَ ابن الله. وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله. وقالت المجوس: نحن نعبد

الشمس والقمر. وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان- أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد}

يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يُطلَق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله، عز وجل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.

وقوله: {اللَّهُ الصَّمَدُ} قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه،

والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي

قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. وقال الأعمش، عن شقيق

عن أبي وائل: {الصَّمَدُ} السيد الذي قد انتهى سؤدده، ورواه عاصم، بن أبي وائل، عن ابن مسعود، مثله.

وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {الصَّمَدُ} السيد. وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه.

وقال الحسن أيضا: {الصَّمَدُ} الحي القيوم الذي لا زوال له.

وقال عكرمة: {الصَّمَدُ} الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم.

وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد. كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله:

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولد} وهو تفسير جيد. وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير، عن أبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه.

وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بُريدة، وعكرمة أيضا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح،
*
وعطية العوفي، والضحاك، والسدي: {الصَّمَدُ} الذي لا جوف له.قال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {الصَّمَدُ} المصمت الذي لا جوف له.

وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب.

وقال عبد الله بن بُرَيدة أيضًا: {الصَّمَدُ} نور يتلألأ.

روى ذلك كلَّه وحكاه: ابن أبي حاتم، والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال:

حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمرو بن رومي، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثني صالح بن حيان، عن عبد الله بن بريدة،

عن أبيه قال- لا أعلم إلا قد رفعه- قال: {الصَّمَدُ} الذي لا جوف له.وهذا غريب جدًا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.

وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير {الصمد}: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا، عز وجل، وهو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده،

وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه.وقال البيهقي نحو ذلك أيضا.

وقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد} أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.

قال مجاهد: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد} يعني: لا صاحبة له.

وهذا كما قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولد وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}

[الأنعام: 101] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه.

قال الله تعالى: {وَقالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولدا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ

وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولدا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولدا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي

الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}
[مريم: 88- 95] وقال تعالى:

{وَقالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولدا سبحانه بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26، 27] وقال

تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 158، 159]

وفي الصحيح- صحيح البخاري-: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم».

وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله

عليه وسلم قال: «قال الله، عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه

إياي فقوله: لن يُعيدَني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد».

ورواه أيضا من حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بمثله. تفرد بهما من هذين الوجهين. آخر تفسير سورة (الإخلاص). اهـ.

قال الخازن: قوله: {قل هو الله أحد}
عن أبي بن كعب «أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فأنزل الله:

{قل هو الله أحد الله الصمد} والصّمد الذي لم يلد، ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث،

وإن الله لا يموت ولا يورث، {ولم يكن له كفوًا أحد}. قال لم يكن له شبيه، ولا عديل، وليس كمثله

شيء» أخرجه التّرمذي وقال: وقد روي عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا انسب لنا ربك،

فأتاه جبريل بهذه السّورة {قل هو الله أحد} وذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصح

وقال ابن عباس أن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد قال

إلى الله قال صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب، فنزلت هذه السّورة، وأهلك الله

أربد بالصاعقة وعامر بالطاعون، وقد تقدم ذكرهما في سورة الرّعد، وقيل جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي

صلى الله عليه وسلم، فقالوا صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فإن الله تعالى أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا

من أي شيء هو، وهل يأكل ويشرب، وممن ورث الربوبية، ولمن يورثها، فأنزل الله هذه السّورة {قل هو الله أحد}

يعني الذي سألتموني عنه هو الله الواحد في الألوهية، والرّبوبية الموصوف بصفات الكمال والعظمة المنفرد عن الشبه، والمثل والنظير،

وقيل لا يوصف أحد بالأحدية غير الله تعالى فلا يقال رجل أحد، ودرهم أحد بل أحد صفة من صفات الله تعالى.

استأثر بها فلا يشركه فيها أحد، والفرق بين الواحد، والأحد أن الواحد يدخل في الأحد، ولا ينعكس،

وقيل إن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي تقول في الإثبات رأيت رجلًا واحدًا، وفي النفي ما رأيت أحدا، فتفيد

العموم، وقيل الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهيه أحد، والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد

{الله الصمد} قال ابن عباس: الصمد الذي لا جوف له وبه قال جماعة من المفسرين، ووجه ذلك من حيث اللّغة أن

الصّمد الشيء المصمد الصّلب الذي ليس فيه رطوبة، ولا رخاوة، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد.

فإن فسر الصمد بهذا كان من صفات الأجسام، ويتعالى الله جلّ وعزّ عن صفات الجسمية، وقيل وجه هذا القول

إن الصمد الذي ليس بأجوف، معناه هو الذي لا يأكل، ولا يشرب، وهو الغني عن كل شيء، فعلى هذا الاعتبار

هو صفة كمال، والقصد بقوله الله الصّمد التّنبيه على أنه تعالى بخلاف من أثبتوا له الإلهية، وإليه الإشارة بقوله تعالى:

{ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام}

[المائدة: 75] وقيل الصّمد الذي ليس بأجوف شيئان أحدهما دون الإنسان، وهو سائر الجمادات الصّلبة والثاني أشرف

من الإنسان وأعلى منه وهو البارئ جل وعز وقال أبي بن كعب الصمد الذي لم يلد، ولم يولد لأن من يولد سيموت، ومن يموت يورث منه.

وروى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: الصّمد هو السّيد الذي انتهى سؤدده، وهي رواية

عن ابن عباس، أيضًا قال هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد، وقيل هو السيد المقصود في جميع

الحوائج المرغوب إليه في الرغائب المستعان به عند المصائب، وتفريج الكرب وقيل هو الكامل في جميع

صفاته وأفعاله وتلك دالة على أنه المتناهي في السودد والشرف، والعلو والعظمة، والكمال والكرم والإحسان، وقيل

الصمد الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل الصمد الذي ليس فوقه أحد، وهو قول على، وقيل هو الذي لا تعتريه

الآفات ولا تغيره الأوقات وقيل هو الذي لا عيب فيه وقيل الصمد هو الأول الذي ليس له زوال والآخر الذي ليس

لملكه انتقال. والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه لأنه محتمل له، فعلى هذا يقتضي أن لا يكون

في الوجود صمد سوى الله تعالى العظيم القادر على كل شيء وأنه اسم خاص بالله تعالى انفرد به له الأسماء

الحسنى والصّفات العليا. {ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير}[الشورى؟: 11].


قوله عز وجل: {لم يلد ولم يولد} وذلك أن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله،

وقالت النّصارى المسيح ابن الله فكذبهم الله عز وجل، ونفى عن نفسه ما قالوا بقوله: {لم يلد}

يعني كما ولد عيسى، وعزير، {ولم يولد} معناه أن من ولد كان له والد فنفى عنه إحاطة النسب من جميع

الجهات، فهو الأول الذي لم يتقدمه، والد كان عنه وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه، ومن كان كذلك

فهو الذي لم يكن له كفوًا أحد، أي ليس له من خلقه مثل، ولا نظير ولا شبيه فنفى عنه. بقوله:

{ولم يكن له كفوًا أحد} العديل والنّظير، والصّاحبة والولد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز

وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته، وأما شتمه

إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» والله سبحانه وتعالى أعلم. اهـ.

.قال النسفي: سورة الإخلاص أربع آيات مكية عند الجمهور وقيل: مدنية عند أهل البصرة.

بسم الله الرحمن الرحيم{قُلْ هُوَ الله أحد}

هو ضمير الشأن و{الله أحد} هو الشأن كقولك: هو زيد منطلق كأنه قيل: الشأن هذا وهو أن الله وأحد لا ثاني له، ومحل

{هُوَ} الرفع على الابتداء والخبر هو الجملة، ولا يحتاج إلى الراجح لأنه في حكم المفرد في قولك:


زيد غلامك في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله: {الله أحد} هو الشأن الذي عبارة عنه وليس: كذلك

زيد أبوه منطلق، فإن زيدًا أو الجملة يدلان على معنيين مختلفين فلابد مما يصل بينهما.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قالت قريش: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت.

يعني الذي سألتموني وصفه هو الله تعالى. وعلى هذا {أحد} خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وهو بمعنى وأحد، وأصله وحد فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفًا.

والدليل على أنه وأحد من جهة العقل أن الواحد إما أن يكون في تدبير العالم وتخليقه كافيًا أولًا، فإن كان

كافيًا كان الآخر ضائعًا غير محتاج إليه وذلك نقص والناقص لا يكون إلهًا، وإن لم يكن كافيًا فهو ناقص.

ولأن العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل والفاعل الواحد كافٍ وما وراء الواحد فليس عدد أولي من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذا محال.

فالقول بوجود إلهين محال، ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر شيئًا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلًا، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزًا.

ولأنا لو فرضنا معدومًا ممكن الوجود فإن لم يقدر وأحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزًا والعاجز

لا يكون إلهًا، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلهًا، وإن قدرًا جميعًا فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون

كل واحد منهما محتاجًا إلى إعانة الآخر فيكون كل واحد منهما عاجزًا، وإن قدر كل واحد منهما على إيجاده

بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادرًا عليه وهو محال، لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق

فحينئذ يكون الأول مزيلًا قدرة الثاني فيكون عاجزًا ومقهورًا تحت تصرفه فلا يكون إلهًا.

فإن قلت: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزًا.

قلنا: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزًا، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخر فكان ذلك تعجيزًا.

{الله الصمد} هو فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج.

والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد لا شريك له، وهو

الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه وهو الغني عنهم {لَمْ يَلِدْ} لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا،

وقد دل على هذا المعنى بقوله: {أنى يَكُونُ لَهُ ولد وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة} [الأنعام: 101]

{وَلَمْ يُولد} لأن كل مولود محدث وجسم وهو قديم لا أول لوجوده إذ لو لم يكن قديمًا لكان حادثًا لعدم الواسطة بينهما، ولو كان حادثًا لافتقر إلى محدث، وكذا الثاني والثالث فيؤدي إلى التسلسل وهو باطل.

وليس بجسم لأنه اسم للمتركب ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه بصفات الكمال فيكون كل جزء إلهًا فيفسد القول به كما فسد بإلهين،

أو غير متصف بها بل بأضدادها من سمات الحدوث وهو محال {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد} ولم يكافئه أحد أي لم يماثله.

سألوه أن يصفه لهم فأوحى إليه ما يحتوي على صفاته تعالى، فقوله: {هُوَ الله} إشارة إلى أنه خالق الأشياء

وفاطرها، وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم لكونه واقعًا على غاية إحكام

واتساق وانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي لأن المتصف بالقدرة والعلم لابد وأن يكون حيًا، وفي ذلك وصفه

بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال، إذ لو لم يكن موصوفًا بها لكان موصوفًا بأضدادها

وهي نقائص وذا من أمارات الحدوث فيستحيل اتصاف القديم بها، وقوله: {أحد} وصف بالوحدانية ونفي الشريك،

وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات والمتوحد بعلم الخفيات، وقوله: {الصمد} وصف بأنه ليس إلا محتاجًا إليه

وإذا لم يكن إلا محتاجًا إليه فهو غني لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل أحد، وقوله: {لَمْ يَلِدْ} نفي للشبه والمجانسة، وقوله:

{وَلَمْ يُولد} نفي للحدوث ووصف بالقدم والأولية.وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد} نفي أن يماثله شيء.

ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه في الحال فقد تاه

في غيه، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفؤًا للقديم، وحاصل كلام الكفرة

يئول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل، والسورة تدفع الكل كما قررنا، واستحسن سيبويه تقديم الظرف إذا

كان مستقرا أي خبرًا لأنه لما كان محتاجًا إليه قدم ليعلم من أول الأمر أنه خبر لا فضلة، وتأخيره إذا كان لغوًا أي فضلة لأن التأخير مستحق للفضلات.

وإنما قدم في الكلام الأفصح لأن الكلام سيق لنفي المكافأة عن ذات الباريء سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان الأهم تقديمه.

وكان أبو عمر ويستحب الوقف على أحد ولا يستحب الوصل قال عبد الوارث على هذا أدركنا القراء وإذا

وصل نون وكسر أو حذف التنوين كقراءة عزير بن الله كفؤا بسكون الفاء والهمزة حمزة وخلف كفوا مثقله غير

مهموزة حفص الباقون مثقلة مهموزة وفى الحديث من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن لأن القرآن

يشتمل على توحيد الله وذكر صفاته وعلى الأوامر والنواهى وعلى القصص والمواعظ وهذه السورة قد تجردت

للتوحيد والصفات فقد تضمنت ثلث القرآن وفيه دليل شرف علم التوحيد وكيف لا يكون كذلك والعلم يشرف

بشرف المعلوم ويتضع بضعته ومعلوم هذا العلم في زمرة العالمين بك العاملين لك الراجين لثوابك الخائفين من

عقابك المكرمين بلقائك وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ قل هو الله أحد فقال وجبت فقيل يا رسول الله ما وجبت قال وجبت له الجنة. اهـ.

.قال ابن جزي:سورة الإخلاص:واختلف في معنى قوله صلى الله عليه سلم: «{قُلْ هُوَ الله أحد} تعدل ثلث القرآن»

فقيل: إن ذلك في الثواب، أي لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، وقيل: إن ذلك فيما تضمنته من المعاني والعلوم؛ وذلك أن

علوم القرآن ثلاثة: توحيد وأحكام وقصص، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد فهي ثلث القرآن بهذا

الاعتبار، وهذا أظهر وعليه حمل ابن عطية الحديث. ويؤيده أن بعض روايات الحديث: «إن الله جزأ القرآن

ثلاثةأجزاء، فجعل قل هو الله أحد جزءًا من أجزاء القرآن» وأخرج النسائي «أن رسول الله صلى الله عليه

وسلم رجلًا يقرؤها فقال: أما هذا فقد غفر له» وفي رواية أنه قال: «وجبت له الجنة»، وأخرج مسلم «أن رسول

الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في الصلاة {قُلْ هُوَ الله أحد} فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا

أحب أن أقرأها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه» وفي رواية خرّجها الترمذي

«أنه صلى الله عليه وسلم قال للرجل: حبك إياها أدخلك الجنة» وحرّج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال: «من قرأ {قُلْ هُوَ الله أحد} مائة مرة كل يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين».

{قُلْ هُوَ الله أحد} الضمير هنا عند البصريين ضمير الأمر والشأن والذي يراد به

التعظيم والتفخيم، وإعرابه مبتدأ وخبره الجملة التي بعده وهي المفسرة له، والله مبتدأ وأحد خبره.

وقيل: الله هو الخبر وأحد بدل منه وقيل: الله بدل وأحد هو الخبر. وأحد له معنيان أحدهما أن يكون من أسماء

النفي التي لا تقع إلا في غير الواجب كقولك: ما جاءني أحد وليس هذا موضع هذا المعنى وإنما موضعه قوله:

{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد} والآخر أن يكون بمعنى وأحد وأصله وأحد بواو ثم أبدل من الواو همزة وهذا هو المراد هنا.

واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى. الأول: أنه وأحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد.

والثاني: أنه وأحد لا نظير ولا شريك له كما تقول: فلان وأحد عصره أي لا نظير له. والثالث: أنه وأحد لا ينقسم ولا يتبعض،

والأظهر أن المراد في السورة نفي الشريك لقصد الرد على المشركين ومنه

قوله تعالى: {وإلهكم إله وَأحد} [البقرة: 163] قال الزمخشري: أحد وصفُ بالوحدانية ونفي الشركاء.

قلت: وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته وذلك في القرآن كثيرًا جدًا أوضحها أربعة براهين:

الأول قوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] لأنه أذا ثبت أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات لم يمكن أن يكون وأحد منها شريكًا له، والثاني قوله:

{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] والثالث قوله:

{قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقولونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلًا}
[الإسراء: 42]

والرابع قوله: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ}

[المؤمنون: 91] وقد فسرنا هذه الآيات في مواضعها وتكلمنا على حقيقة التوحيد في قوله: {وإلهكم إله وَأحد} [البقرة: 163].
{الله الصمد} في معنى الصمد ثلاثة أقوال:

أحدها: أن الصمد الذي يُصمَد إليه في الأمور أي يلجأ إليه. والآخر: أنه لا يأكل ولا يشرب فهو كقوله:

{وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} [الأنعام: 14] والثالث: أنه الذي لا جوف له، والأول هو المراد هنا على الأظهر، ورجحه ابن

عطية بأن الله موجد الموجودات وبه قوامها، فهي مفتقرة إليه إي تصمد إليه إذ لا تقوم بأنفسها.

ورجّحه شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير لورود معناه في القرآن حيثما ورد نفي الولد عن الله تعالى كقوله في مريم


{وقالوا اتخذ الله ولدا} ثم أعقبه بقوله: {إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْدًا} [مريم: 93]

وقوله: {بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ ولد} [الأنعام: 101] وقوله: {وَقالواْ اتخذ الله ولدا سبحانه بَل لَّهُ مَا فِي

السماوات والأرض} [البقرة: 116] وكذلك هنا ذكره مع قوله لم يلد فيكون برهانًا على نفي الولد، قال الزمخشري: صمد فَعَل بمعنى مفعول لأنه مصمود إليه في الحوائج.

{لَمْ يَلِدْ}. هذا ردّ على كل من جعل لله ولدا فمنهم النصارى في قولهم: {عيسى ابن الله} واليهود في قولهم:

{عزيز ابن الله} والعرب في قولهم: (الملائكة بنات الله) وقد أقام الله البراهين في القرآن على نفي الولد، وأوضحها

أربعة أقوال: الأول: أن الولد لابد أن يكون من جنس والده. والله تعالى ليس له جنس فلا يمكن أن يكون له ولد وإليه الإشارة بقوله تعالى:

{مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام} [المائدة: 75] فوصفهما بصفة الحدوث لينفي عنهما صفة القدم فتبطل مقالة الكفار.

والثاني: أن الوالد إنما يتخذ ولدا للحاجة إليه، والله لا يفتقر إلى شيء فلا يتخذ ولدا وإلى هذا أشار بقوله:

{قالواْ اتخذ الله ولدا سبحانه هُوَ الغني} [يونس: 68] الثالث: أن جميع الخلق عباد الله والعبودية تنافي النبوة وإلى

هذا أشار بقوله تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْدًا}

[مريم: 93] الرابع أنه لا يكون له ولد إلا لمن له زوجة، والله تعالى لم يتخذ زوجة فلا يكون له ولد وإلى

هذا الإشارة بقوله تعالى: {أنى يَكُونُ لَهُ ولد وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة} [الأنعام: 101].

{وَلَمْ يُولد} هذا رد عل الذين قالوا: أنسب لنا ربك، وذلك أن كل مولود محدث، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده، القديم الذي كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولودًا تعالى عن ذلك.

{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد} الكفؤ هو النظير والمماثل قال الزمخشري: يجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، فيكون نفيًا للصاحبة. وهذا بعيد والأول هو الصحيح ومعناه أن الله ليس له نظير ولا شبيه ولا مثيل، ويجوز في

كفوءًا ضم الفاء وإسكانها مع ضم الكاف. وقد قرئ بالوجهين ويجوز أيضًا كسر الكاف وإسكان الفاء، ويجوز كسر الكاف وفتح الفاء والمدّ ويجوز فيه الهمزة والتسهيل وانتصب كفوًا على أنه خبر كان،

وأحد اسمها، قال ابن عطية: ويجوز أن يكون كفوًا حالها لكونه كان صفة للنكرة فقدم عليها.

فإن قيل: لم قدَّم المجرور وهو له على أسم كان وخبرها، وشأن الظرف إذا وقع غير خبر أن يؤخر؟

فالجواب: من وجهين: أحدهما: أنه قدم للاعتناء به والتعظيم، لأنه ضمير الله تعالى وشأن العرب تقديم

ما هو أهم وأولى. والآخر: أن هذا المجرور به يتم معنى الخبر وتكمل فائدته، فنه ليس المقصود نفي الكفؤ مطلقًا

إنما المقصود نفي الكفؤ عن الله تعالى، فلذلك اعتنى بهذا المجرور الذي يحرز هذا المعنى، فقدم.

فإن قيل: إن قوله: {قُلْ هُوَ الله أحد} يقتضي نفي الولد والكفؤ فلم نص على ذلك بعده؟

فالجواب: أن هذا من التجريد، وهو تخصيص الشيء بالذكر بعد دخوله في عموم ما تقدم، كقوله تعالى:

{وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال} [البقرة: 98] ويفعل ذلك لوجهين يصح كل واحد منهما هنا؛ أحدهما: الإعتناء،

ولا شك أن نفي الولد والكفؤ عن الله ينبغي الاعتناء به للرد على من قال خلاف ذلك من الكفار. والآخر: الإيضاح والبيان، فإن دخول الشيء في ضمن العموم ليس

كالنص عليه فنص على هذا بيانًا، وإيضاحًا للمعنى ومبالغة في الرد على الكفار، وتأكيدًا لإقامة الحجة عليهم. اهـ.

قال البيضاوي:سورة الإخلاص مختلف فيها، وآيها أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم. {قُلْ هُوَ الله أحد}

الضمير للشأن كقولك: هو زيد منطلق وارتفاعه بالإِبتداء وخبره الجملة ولا حاجة إلى العائد لأنها هي هو، أو لما سُئِلَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أي الذي سألتموني عنه هو الله، إذ (روي أن قريشًا قالوا: يا محمد صف لنا

ربك الذي تدعونا إليه فنزلت) وأحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال إذا الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما كالجسمية

والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وقرئ: {هو الله} بلا {قُلْ} مع الاتفاق على أنه لابد منه في {قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون}، ولا يجوز في

{تبت}، ولعل ذاك لأن سورة {الكافرون} مشاقة الرسول أو موادعته لهم و{تبت} معاتبة عمه فلا يناسب أن

تكون منه، وأما هذا فتوحيد يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى.

{الله الصمد} السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إليه إذا قصد، وهو الموصوف به على الإِطلاق فإنه يستغني عن غيره مطلقًا، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته، وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته

وتكرير لفظة {الله} للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية، وإخلاء الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها.

{لَمْ يَلِدْ} لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه، ولعل الاقتصاد على لفظ الماضي لوروده ردًا

على من قال الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله أو ليطابق قوله: {وَلَمْ يُولد} وذلك لأنه لا يفتقر إلى شيء ولا يسبقه عدم.

{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد} أي ولم يكن أحد يكافئه أو يماثله من صاحبة أو غيرها، وكان أصله أن يؤخر الظرف لأنه صلة {كُفُوًا} لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدم تقديمًا للأهم، ويجوز أن يكون حالًا من

المستكن في {كُفُوًا} أو خبرًا، ويكون {كُفُوًا} حالًا من {أحد}، ولعل ربط الجمل الثلاث بالعطف لأن المراد منها نفي أقسام المكافأة فهي كجملة واحدة منبهة عليها بالجمل.

وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية: {كُفْوًا} بالتخفيف، وحفص {كُفُوًا} بالحركة وقلب الهمزة واوًا،

ولاشتمال هذه السور مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرد على من ألحد فيها، جاء في الحديث «أنها تعدل ثلث

القرآن» فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات من ذلك. وعنه صلى الله عليه وسلم،

أنه سمع رجلًا يقرؤها فقال: «وجبت» قيل: يا رسول الله وما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة». اهـ. .قال أبو حيان:

سورة الإخلاص:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد (1)}

عن ابن عباس، أن اليهود قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه، فنزلت.

وعن أبي العالية، قال قادة الأحزاب: انسب لنا ربك، فنزلت.

فإن صح هذالسبب، كان هو ضميرًا عائدًا على الرب، أي {قل هو الله} أي ربي الله، ويكون مبتدأ وخبرًا، وأحد خبر ثان.

وقال الزمخشري: وأحد يدل من قوله: {الله}، أو على هو أحد، انتهى.

وإن لم يصح السبب، فهو ضمير الأمر، والشان مبتدأ، والجملة بعده مبتدأ وخبر في موضع خبر هو، وأحد بمعنى وأحد، أي فرد من جميع جهات الوحدانية، أي في ذاته وصفاته لا يتجزأ.

وهمزة أحد هذا بدل من واو، وإبدال الهمزة مفتوحة من الواو قليل، من ذلك امرأة إناة، يريدون وناة، لأنه من الوني وهو الفتور، كما أن أحدا من الوحدة.

وقال ثعلب: بين وأحد وأحد فرق، الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان، والأحد لا يدخله.

يقال: الله أحد، ولا يقال: زيد أحد، لأن الله خصوصية له الأحد، وزيد تكون منه حالات، انتهى.

وما ذكر من أن أحدا لا يدخله ما ذكر منقوض بالعدد.

وقرأ أبان بن عثمان، وزيد بن علي، ونصر بن عاصم، وابن سيرين، والحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية يونس، ومحبوب، والأصمعي، واللؤلؤي، وعبيد، وهارون عنه: {أحد... الله} بحذف

التنوين لالتقائه مع لام التعريف وهو موجود في كلام العرب وأكثر ما يوجد في الشعر نحو قوله:

ولا ذاكرًا الله إلا قليلًا :::: ونحو قوله: عمرو الذي هشم الثريد لقومه

{الله الصمد}: مبتدأ وخبر، والأفصح أن تكون هذه جملًا مستقلة بالأخبار على سبيل الاستئناف، كما تقول: زيد العالم زيد الشجاع.

وقيل: الصمد صفة، والخبر في الجملة بعده، وتقدم شرح الصمد في المفردات.

وقال الشعبي، ويمان بن رياب: هو الذي لا يأكل ولا يشرب.

وقال أبيّ بن كعب: يفسره ما بعده، وهو قوله: {لم يلد ولم يولد}.

وقال الحسن: الصمد: المصمت الذي لا جوف له، ومنه قوله:

شهاب حروب لا تزال جياده ** عوابس يعلكن الشكيم المصمدا

وفي كتاب التحرير أقوال غير هذه لا تساعد عليها اللغة.

وقال ابن الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد هو السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في أمورهم وحوائجهم.

قال الزمخشري: {لم يلد}، لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا، ودل على هذا المعنى بقوله:

{أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} {ولم يولد}: لأن كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أول لوجوده، وليس بجسم ولم يكافئه أحد.

يقال له كفو، بضم الكاف وكسرها وفتحها مع سكون الفاء، وبضم الكاف مع ضم الفاء.

وقرأ حمزة وحفص: بضم الكاف وإسكان الفاء، وهمز حمزة، وأبدلها حفص واوًا.

وباقي السبعة: بضمهما والهمز، وسهل الهمزة الأعرج وأبو جعفر وشيبة ونافع، وفي رواية عن نافع أيضًا

كفا من غير همز، نقل حركة الهمزة إلى الفاء وحذف الهمزة.

وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: كفاء بكسر الكاف وفتح الفاء والمد، كما قال النابغة:

لا تعذقني بركن لا كفاء له :::: الأعلم لا كفاء له: لا مثيل له.

وقال مكي سيبويه: يختار أن يكون الظرف خبرًا إذا قدمه، وقد خطأه المبرد بهذه الآية، لأنه قدم الظرف ولم يجعله خبرًا، والجواب أن سيبويه لم يمنع إلغاء الظرف إذا تقدم، إنما أجاز أن يكون خبرًا وأن لا يكون خبرًا.

ويجوز أن يكون حالًا من النكرة وهي أحد، لما تقدم نعتها عليها نصب على الحال، فيكون له الخبر على مذهب سيبويه واختياره، ولا يكون للمبرد حجة على هذا القول، انتهى.

وخرجه ابن عطية أيضًا على الحال، وقال الزمخشري: فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه، فما باله مقدمًا في أفصح الكلام وأعربه؟

قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه وتعالى، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه وأحقه بالتقديم وأحراه، انتهى.

وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: {ولم يكن له كفوًا أحد} ليس الجار والمجرور فيه تامًا، إنما هو ناقص لا يصلح أن يكون خبرًا لكان، بل هو متعلق بكفوًا وقدم عليه.

فالتقدير: ولم يكن أحد كفوًا له، أي مكافئه، فهو في معنى المفعول متعلق بكفوًا.

وتقدم على كفوًا للاهتمام به، إذ فيه ضمير الباري تعالى.

وتوسط الخبر، وإن كان الأصل التأخر، لأن تأخر الاسم هو فاصلة فحسن ذلك.

وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره أن له الخبر وكفوًا حال من أحد، لأنه ظرف ناقص لا يصلح أن يكون خبرًا، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه.

وسيبويه إنما تكلم في هذا الظرف الذي يصلح أن يكون خبرًا، ويصلح أن يكون غير خبر.

قال سيبويه إنما تكلم في هذا الظرف الذي يصلح أن يكون خبرًا، ويصلح أن يكون غير خبر.

قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت فيها مستقرا ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم.

أجريت الصفة على الاسم، فإن جعلته على: فيها زيد قائم، نصبت فتقول: ما كان فيها أحد خيرًا منك، وما كان أحد خيرًا منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الملغى كان أحسن.

وإذا أردت أن يكون مستقرا، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير.

قال تعالى: {ولم يكن له كفوًا أحد}.
وقال الشاعر: ما دام فيهن فصيل حيًا

انتهى. وما نقلناه ملخصًا.

وهو بألفاظ سيبويه، فأنت ترى كلامه وتمثيله بالظرف الذي يصلح أن يكون خبرًا. ومعنى قوله: مستقرا، أي خبرًا للمبتدأ ولكان.

فإن قلت: فقد مثل بالآية الكريمة.

قلت: هذا الذي أوقع مكيًا والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام هو في

قوله: :: ما دام فيهن فصيل حيًا ** أجرى فضلة لا خبرًا

كما أن له في الآية أجرى فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبرًا كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبرًا، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: ولم يكن له أحد، بل لو تأخر كفوًا وارتفع على الصفة

وجعل له خبرًا، لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو كفو، وله متعلق به، والمعنى: ولم يكن له أحد مكافئه.

وقد جاء في فضل هذه السورة أحاديث كثيرة، ومنها أنها تعدل ثلث القرآن، وقد تكلم العلماء على ذلك، وليس هذا موضعه، والله الموفق. اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد (1)} التفسير:

قد وردت الأخبار الكثيرة بفضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن فاستنبط العلماء لذلك وجهًا مناسبًا وهو أن القرآن مع عزارة فوائده اشتمل على ثلاثة معانٍ فقط: معرفة ذات الله تعالى وتقدّس، ومعرفة صفاته

وأسمائه، ومعرفة أفعاله وسننه مع عباده. ولما تضمنت سورة الإخلاص أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس، وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن. «وعن أنس أن رجلًا كان يقرأ في جميع صلاته

{قل هو الله أحد} فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله إني أحبها فقال: حبك إياها يدخلك الجنة»

أما سبب نزولها فعن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله

تعالى هذه السورة. وعن عطاء عن ابن عباس قال: قدم وفد نجران فقالوا: صف لنا ربك أزبرجد أم ياقوت أم ذهب أم فضة. فقال: إن ربي ليس من شيء لأنه خلق الأشياء فنزلت

{قل هو الله أحد} فقالوا: هو واحد وأنت واحد فقال: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] قالوا: زدنا من الصفة.

قال: {الله الصمد} فقالوا: وما الصمد؟ قال: الذي يصمد الخلق إليه في الحوائج فقالوا: زدنا فقال: {لم يَلد} كما ولدت مريم {ولم يولد} كما ولد عيسى {ولم يكن له كفوًا أحد} يريد نظيرًا من خلقه. ولشرف هذه السورة سميت

بأسماء كثيرة أشهرها الإخلاص لأنها تخلص العبد من الشرك أو من النار. وقد يقال لها سورة التفريد أو التجريد أو التوحيد أو النجاة أو الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله أو المعرفة لما روى جابر أن رجلًا صلى

فقرأ السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عبد عرف ربه. أو الجمال لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال» ومن كمالات الجميل كونه عديم النظير. أو الأساس لقوله صلى الله عليه

وسلم: «أسست السموات السبع والأرضون السبع على {قل هو الله أحد}». وثالثها أن الواحد يستعمل

في الإثبات كقولك (رأيت رجلًا واحدًا) والأحد يستعمل في النفي نحو (ما رأيت أحدا) فيفيد العموم.

قلت: ولعلّ وجه تخصيص الله بالأحد هو هذا المعنى وذلك أنه أبسط الأشياء وكأنك قلت: إنه لا جزء له أصلًا بوجه من الوجوه ومن هنا قال بعضهم: إن الأحد يدل على جميع المعاني السلبية ككونه ليس بجوهر ولا عرض

ولا متحيز وغير ذلك كما أن اسم الله يدل على مجامع الصفات الإضافية لأن الله اسم للمعبود بالحق واستحقاق العبادة لا يتجه إلا إذا كان مبدأ لجميع ما سواه عالمًا قادرًا إلى غير ذلك. وأما لفظة

{هو} فإنها تدل على نفس الذات فتبين أن قوله: {قل هو الله أحد} يدل على الذات والصفات جميعًا.

وههنا لطيفة وهي أن قوله: {هو} إشارة إلى مرتبة السابقين الذين لا يرون معه شيئًا آخر فيكفي الكناية بالنسبة إليهم، وأما اسم {الله} فإشارة إلى مرتبة أصحاب اليمين وهم الذين عرفوه بالبرهان مستدلين على الوجوب

بالإمكان فهم ينظرون إلى الحق وإلى الخلق جميعًا فيحتاجون في التمييز إلى اسمه العلم. وأما (الأحد) فرمز إلى أدون المراتب الإنسانية وهم أصحاب الشمال الذي يثبتون مع الله إلهًا آخر فوجب التنبيه على إبطال معتقدهم

بأن الله أحد لا شريك له أو لا جزء بوجه من الوجوه، وبعبارة أخرى هو للأخص والله للخواص وأحد للعموم. وأما {الصمد} فقيل:

إنّه فعل بمعنى (مفعول) من صمده إذا قصده أي هو السيد المقصود إليه في الحوائج كما مرّ في الحديث الوارد في سبب النزول.

وقيل: هو الذي لا جوف له ومنه قولهم لسداد القارورة (صماد) وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة.

قال ابن قتيبة: يجوز على هذا التفسير أن تكون الدال بدل التاء في (مصمت).

وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة: الصمد هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء. ولا يخفى أن هذين المعنيين من صفات الأجسام حقيقة إلا أن مقدّمة الآية وهي {الله أحد} تمنع من

حملهما على حقيقتهما لأن كل جسم مركب فوجب الحمل على المجاز وهو أنه لوجوب ذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وسائر صفاته، ومن هنا اختلفت عبارات المفسرين فعن

بعضهم: الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه مبدأ مرجوعًا إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك.

وعن ابن مسعود والضحاك: هو السيد الذي انتهى سودده.

وقال الأصم: هو الخلق للأشياء لأن السيد الحقيقي هو هو.

وقال السدي: هو المقصود في الرغائب المستغاث عند المصائب.

وقال الحسن بن الفضل: هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ويحتمل أن يراد بالأخير نفي المصاحبة لأن المصاهرة تستدعي الكفاءة شرعًا وعقلًا فيكون ردًا على من حكى الله عنهم في قوله: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا} [الصافات: 158] قاله مجاهد.

سؤال: قد نص سيبويه في كتابه على أن الخبر قد يقدم على الاسم في باب (كان) ولكن تعلق الخبر حينئذ لا يتقدم على الخبر كيلا يلزم العدول عن الأصل بمرتبتين فكيف قدم الصرف على الاسم والخبر جميعًا؟ أجاب

النحويون عنه بأن هذا الظرف وقع بيانًا للمحذوف كأنه قال: ولم يكن أحد فقيل: لمن؟ فأجيب بقوله (له) نظيره قوله:

{وكانوا فيه من الزاهدين} [يوسف: 20] وقوله: {فلما بلغ معه السعي} [الصافات: 102]. اهـ.

.قال الثعالبي: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد (1)}
رُوِيَ أنَّ اليهودَ دَخَلُوا عَلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا مُحَمَّدُ؛ صِفْ لَنَا رَبَّك وانْسِبْه، فإنَّه وَصَفَ

نَفْسَه في التوراةِ وَنَسَبها، فارْتَعَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ قولهم حَتَّى خَرَّ مغشيًا عليه، ونَزَلَ جبريلُ بهذهِ السورةِ.

و{أحد} مَعناه: وَأحد فَرْدٌ مِنْ جميعِ جِهَاتِ الوَحْدَانِيَّة، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ و{هُوَ} ابتداءٌ، و{الله} ابتداءٌ ثانٍ، و{أحد} خَبَرُه والجملةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وقيلَ هو ابتداءُ و{الله} خبرُه و{أحد} بَدَلٌ منه.

وقرأ عمر بن الخطابِ وغَيْرُهُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ الواحد الصَّمَدُ} و{الصمد} في كلامِ العربِ السيدُ الذي يُصْمَدُ إليه في الأُمُورِ وَيَسْتَقِلُّ بها وأنْشَدُوا: الطويل:

لَقَدْ بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ ** بِعَمْرِو بْنِ مَسْعَودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ

وبهذا تَتَفَسَّرُ هذه الآيةُ لأَنَّ اللَّهَ تعالى جلت قدرته هُوَ مُوجِدُ المَوْجُودَاتِ وإليهِ تَصْمُدُ وبه قِوَامُها سبحانه وتعالى.

وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولد} رَدٌّ عَلى إشارَةِ الكفارِ في النَّسَبِ الذي سأَلُوه، وقال ابن عباس: تَفَكَّروا في كلّ شَيْءٍ ولا تتفكروا في ذاتِ اللَّه، قال * ع *: لأَنَّ الأفْهَامَ تَقِفُ دونَ ذلكَ حَسِيرَةً.

وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد} معناه ليسَ له ضِدٌّ، وَلاَ نِدٌّ ولا شبيهٌ،

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهُوَ السميع البصير} [الشورى: 11]، والكُفُؤُ النَّظِيرُ و{كفوًا} خبر كان واسمها {أحد}.

قال * ص *: وحَسُنَ تأخيرُ اسمها لِوُقُوعِه فاصلةً، وله مُتَعَلِّقٌ بـ: {كفؤًا} أي: لَمْ يَكُنْ أحد كُفُؤًا لَهُ، وقُدَّمَ اهتمامًا بِه لاِشْتِمالِهِ على ضميرِ البَارِي سبحانه، انتهى،

وفي الحديثِ الصحيحِ عنه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ {قُلْ هُوَ الله أحد} تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن».

قال * ع *: لِمَا فِيهَا مِنَ التوحيدِ، ورَوَى أبو محمدٍ الدارميّ في (مسندهِ) قال: حدثنا عبد اللَّه بن مزيد حدثنا حيوة قال: أخبرنا أبو عقيل، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قرأ:

{قُلْ هُوَ الله أحد} إحدى عَشَرَةَ مَرَّةً بُنِيَ لهُ قصرٌ في الجنةِ، ومَنْ قرأها عِشْرينَ مرةً، بُنِيَ له قَصْرَانِ في الجنةِ، ومَنْ قرأها ثَلاثِينَ مرةً؛ بُنِيَ له ثلاثةُ قصورٍ في الجنة. فقال عمر بن الخطاب: إذَنْ تَكْثُرُ قصورُنَا يا رسولَ اللَّهِ؛ فقال

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أوْسَعُ من ذلك». أي: فَضْلُ اللَّهِ أوْسَعُ مِنْ ذَلك.

قال الدارمي: أبو عقيل هو زهرة بن معبد، وزعموا أنه من الأبْدَالِ، انتهى من التذكرة. اهـ.

.قال الخطيب الشربيني: سورة الإخلاص: مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدّي.

وهي أربع آيات. :: وخمس عشرة كلمة. :: وسبعة وأربعون حرفًا.

{بسم الله} الذي له جميع الكمال ذي الجلال والجمال {الرحمن} الذي أفاض على جميع خلقه عموم الأفضال {الرحيم} الذي خص أهل وداده من نور الإنعام بالإتمام والأكمال.

واختلف في سبب نزول سورة {قل هو الله أحد} فروى أبو العالية عن أبيّ بن كعب: أنّ المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنسب لنا ربك فنزلت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما:

أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلى من تدعنا يا محمد؟

فقال: إلى الله تعالى، قال: صفه لنا، أمن ذهب هو أم من فضة أم من حديد أم من خشب فنزلت، واهلك الله تعالى أربد بالصاعقة وعامر من الطفيل بالطاعون. وقال الضحاك وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى

النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فإنّ الله تعالى أنزل صفته في التوراة فأخبرنا من أي: شيء هو، وهل يأكل ويشرب، ومن ورث ومن يرثه فنزلت.

تنبيه:
هو ضمير الشأن وهو مبتدأ وخبره الله، وأحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله تعالى على جميع صفات الكمال؛ إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن التركيب والتعدّد وما يستلزم أحدهما

كالجسيمة والتحيز والمشاركة في الحقيقة، وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامّة المقضية للألوهية. فائدة: جاء في الواحد عن العرب لغات كثيرة، يقال: وأحد وأحد ووحد ووحيد ووحاد وأحاد وموحد

وأوحد، وهذا كله راجع إلى معنى الواحد، وإن كان في ذلك معان لطيفة ولم يجيء في صفات الله تعالى إلا الواحد والأحد.

وقوله تعالى: {الله}، أي: الذي ثبتت إلهيته وأحديته لا غيره مبتدأ خبره {الصمد} وأخلى هذه الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى، أو الدليل عليها. والصمد: السيد المصمود إليه في الحوائج، والمعنى: هو الله الذي

تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلوهية ولا يشارك فيها وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصمد هو الذي لا جوف له، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال الربيع: هو الذي لا تعتريه الآفات، وقال مقاتل بن حبان: هو الذي لاعيب فيه، وقال قتادة: هو الباقي بعد فناء

خلقه، وقال سعيد بن جبير: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، وقال السدّي: هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب. تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمدًا بسكون الميم اذا قصدته.

وعن أبيّ بن كعب: هو الذي {لم يلد} لأنّ من يلد سيموت، ومن يرث يورث عنه ففسر الصمد بما بعده. وينبغي أن تجعل هذه التفاسير كلها تفسيرًا واحدًا فإنه متصف بجميعها فكونه لم يلد لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى من

يعينه، أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه لدوامه في أبديته، والاقتصار على الماضي لوروده ردّا على من قال الملائكة بنات الله، أو العزيز أو المسيح أو غيره.

ولما بين أنه لا فصل له ظهر أنه لا جنس له فدل عليه بقوله تعالى: {ولم يولد} لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو المعهود والمعقول، فهو قديم لا أوّل له، بل هو الأوّل الذي لم يسبقه عدم لأنّ الولادة تتكوّن

ولا تتشخص إلا بواسطة المادّة وعلاقتها وكل ما كان مادّيًا أو كان له علاقة بالمادة كان متولدا عن غيره، والله سبحانه وتعالى منزه عن جميع ذلك.

{ولم يكن}، أي: لم يتحقق ولم يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من التقادير {له}، أي: خاصة {كفوًا}، أي: مثلًا ومساويًا {أحد} على الإطلاق، أي: لا يساويه في قوّة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت مساواته باعتبار

الجنس والفصل، فيكون وجوده متولدا عن الازدواج الحاصل من الجنس الذي يكون كالأمّ، والفصل الذي يكون كالأب، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه من الوجوه أن يكون في شيء من الولادة، لأنّ وجوب وجوده لذاته فانتفى

أن يساويه شيء. وكان الأصل أن يؤخر الظرف؛ لأنه صلة لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدّم تقديمًا للأهمّ، ويجوز أن يكون حالًا من الممتكن في كفؤًا، أو خبرًا، أو يكون كفؤًا حالًا من أحد وعطف هاتين

الجملتين على الجملة التي قبلهما، لأنّ الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسام الأمثال فهي كالجملة الواحدة.

روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إياي يقول: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون

على من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤًا أحد». وقرأ حمزة بسكون الفاء والباقون بضمها.

وقرأ حفص كفوًا بالواو وقفًا ووصلًا، وإذا وقف حمزة وقف بالواو.

وروي في فضائل هذه السورة أحاديث كثيرة منها ما روى البخاري عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ {قل هو الله أحد} يردّدها فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقللها

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن».

فإن قيل: لم كانت تعدل ثلث القرآن؟

أجيب: بأن القرآن أنزل أثلاثًا ثلث أحكام، وثلث وعد ووعيد، وثلث أسماء وصفات فجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات. وقيل: إنها تعدل القرآن كله مع قصر متنها وتقارب طرفيها، وما ذاك إلا

لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى بذلك دليلًا لمن اعترف بفضلها.

ومنها ما روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية فكان يقرأ في صلاتهم فيختم ب {قل هو الله أحد} فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه

لأيّ شيء يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال صلى الله عليه وسلم أخبروه أن الله تعالى يحبه». ومنها ما رواه الترمذي عن أنس بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع

رجلًا يقرأ {قل هو الله أحد} فقال صلى الله عليه وسلم وجبت قلت: ما وجبت؟ قال: الجنة».

ومنها ما روى أنس أيضًا «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ {قل هو الله أحد} خمسين مرة غفرت ذنوبه». ومنها ما روى سعيد بن المسيب «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ {قل هو الله أحد}

عشر مرّات بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرّة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرّة بنى الله له ثلاث قصور في الجنة، فقال عمر: إذن تكثر قصورنا فقال صلى الله عليه وسلم أوسع من ذلك».
ومنها ما رواه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ {قل هو الله أحد} بعد صلاة الصبح اثنتى عشرة مرّة فكأنما قرأ القرآن أربع مرّات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ {قل هو الله أحد} في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر،

وحملته الملائكة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة». وقد أفردت أحاديثها بالتأليف وفي هذا القدر كفاية لأولي الألباب.

ولها أسماء كثيرة، وزيادة الأسماء تدل على شرف المسمى. أحدها: أنها سورة التفريد، ثانيها: سورة التجريد، ثالثها: سورة التوحيد، رابعها: سورة الإخلاص، خامسها: سورة النجاة، سادسها: سورة الولاية، سابعها:

سورة النسبة، لقولهم: أنسب لنا ربك، ثامنها: سورة المعرفة، تاسعها: سورة الجمال، عاشرها: سورة المقشقشة، حادي عشرها: سورة المعوذة، ثاني عشرها: سورة الصمد، ثالث عشرها: سورة الأساس، قال: أسست

السموات السبع والأرضين السبع على {قل هو الله أحد}، رابع عشرها: المانعة لأنها تمنع فتنة القبر ونفحات النار، خامس عشرها: سورة المحتضر لأنّ الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت، سادس عشرها: المنفرة لأن

الشياطين تنفر عند قراءتها، سابع عشرها: سورة البراءة لأنها براءة من الشرك، ثامن عشرها: المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد، تاسع عشرها: سورة النور لأنها تنوّر القلب المكمل للعشرين سورة الإنسان قال

صلى الله عليه وسلم: «إذا قال العبد: الله، قال الله: دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي». فنسأل الله تعالى أن يجيرنا من عذابه، ويدخلنا الجنة نحن وجميع الأحباب بغير حساب؛ لأنه كريم حليم وهاب. وما رواه

البيضاوي من أنها تعدل ثلث القرآن فرواه البخاري، ومن أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقرؤها إلخ فرواه الترمذي والنسائي وغيرهما. اهـ.

.قال أبو السعود:{قُلْ هُوَ الله أحد}

الضميرُ للشأنِ ومدارُ وضعِهِ وموضِعِهِ معَ عدمِ سبقِ ذكرِه الإيذانُ بأنَّه منَ الشهرةِ والنباهةِ بحيثُ يستحضرُهُ كلُّ أحد وإليهِ يشيرُ كُلُّ مشيرٍ وإليهِ يعودُ كلُّ ضميرٍ كما ينبئُ عَنْهُ اسمُهُ الذي أصلُهُ القصدُ أطلقَ عَلى المفعولِ

مبالغةً ومحلُّه الرفعُ عَلى الابتداءِ خبرُهُ الجملةُ بعدَهُ ولا حاجةَ إلى الربطِ لأَنَّها عينُ الشأنِ الذي عبرَ عَنْهُ بالضميرِ والسرُّ في تصديرِ الجملةِ بهِ التنبيهُ منْ أولِ الأمرِ عَلى فخامةِ مضمونِهَا وجلالةِ حيزِهَا معَ مَا فيهِ منْ زيادةِ

تحقيقٍ وتقريرٍ فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ من أولِ الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ جليلٌ فيبقى الذهنُ مترقبًا لما أمامهُ مما يفسرُهُ ويزيلُ إبهامَهُ فيتمكنُ عندَ ورودِهِ لَهُ فضلُ تمكنٍ، وهمزةُ أحد مُبدلةٌ منْ الواوِ وأصلُهُ وَحَدٌ لاَ كهمزةِ ما

يلازمُ النفيَ ويرادُ بهِ العمومُ كمَا في قوله تعالى: {فَمَا مِنكُم مّنْ أحد عَنْهُ حاجزين} ومَا في قوله عليهِ السلام ما أحلتْ الغنائمُ لأحد سودِ الرؤوسِ غيرِكُم فإنَّها

أصليةٌ وقال مكيٌّ: أصلُ أحد وأحد فأبدلتْ الواوُ همزةً فاجتمعَ ألفانِ لأنَّ الهمزةَ تشبهُ الألفَ فحذفتْ أحداهُمَا تخفيفًا.

وقال ثعلبٌ: إنَّ أحد لا يُبنى عليهِ العددُ ابتداءً فلا يقال أحد واثنانِ كَما يقال وأحد واثنانِ ولا يقال رجلٌ أحد كما يقال رجل واحد ولذلكَ اختصَّ بهِ تعالى أوْ هُوَ لما سئِلَ عَنْهُ أيِ الذي سألتُم عنْهُ هُو الله إذ رُوِيَ أنَّ قريشًا قالوا

صِفْ لَنَا ربكَ الذي تدعونَا إليهِ وانسُبْهُ فنزلتْ فالضميرُ مبتدأٌ والله خبرُهُ وأحد بدلٌ منْهُ أو خبرٌ ثانٍ أو خبرُه مبتدأٍ محذوفٍ وقرئ هُوَ الله أحد بغيرِ قُلْ وقرئ الله أحد بغيرِ قُلْ هُوَ وقرئ قُلْ هُوَ الواحد وقوله تعالى: {الله الصمد}

مبتدأٌ وخبر والصمدُ فَعَلٌ بمَعْنَى مفعولٍ مَنْ يُصمدُ إليهِ إذَا قَصَدَهُ أيْ هُوَ السيدُ المصمودُ إليهِ في الحوائجِ المُسْتغنى بذاتِهِ وَكُلَّ ما عداهُ محتاجٌ إليهِ في جميعِ جهاتِهِ وقيلَ الصمدُ الدائمُ الباقِي الذي لَمْ يزلْ وَلاَ يزالُ وقيلَ الذي

يفعلُ مَا يشاءُ ويَحكمُ مَا يريدُ وتعريفُهُ لعلمِهِم بصمديتِهِ بخلافِ أحديَتِهِ وتكريرُ الإسمِ الجليلِ للإشعارِ بأنَّ منْ لم يتصفْ بذلكَ فهوَ بمعزلٍ منَ استحقاقِ الألوهيةِ وتعريةُ الجملةِ عنِ العاطفِ لأنَّها كالنتيجةِ للأولى بيَّنَ أولًا

ألوهيَتَهُ عزَّ وجلَّ المستتبعةَ لكافةِ نعوتِ الكمالِ ثمَّ أحديتَهُ الموجبةَ تنزهَّهُ عنْ شائبةِ التعددِ والتركيبِ بوجهٍ منَ الوجوهِ وتوهمِ المشاركةِ في الحقيقةِ وخواصِّهَا ثُمَّ صمديتَهُ المقتضيةَ لاستغنائِهِ الذاتِيِّ عَمَّا سواهُ وافتقارِ جميعِ

المخلوقاتِ إليهِ في وجودِهَا وبقائِهَا وسائرِ أحوالِهَا تحقيقًا للحقِّ وإرشادًا لهُم إلى سنتِهِ الواضحِ ثُمَّ صرحَ ببعضِ أحكامٍ جزئيةٍ مندرجةٍ تحتَ الأحكامِ السابقةِ فقيلَ {لَمْ يَلِدْ} تنصيصًا على إبطالِ زعمِ المفترينَ في حقِّ الملائكةِ

والمسيحِ ولذلكَ وردَ النفيُ على صيغةِ الماضِي أيْ لَمْ يصدُرْ عنْهُ ولد لأنَّهُ لا يجانسُهُ شيءٌ ليمكنَ أنْ يكونَ لهُ من جنسِهِ صاحبةٌ فيتوالدَ كما نطقَ بهِ قوله تعالى: {أنى يَكُونُ لَهُ ولد وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة} ولا يفتقرُ إلى ما يعينُهُ

أو يخلفُهُ لاستحالةِ الحاجةِ والفناءِ عليهِ سبحانه: {وَلَمْ يُولد} أيْ لمْ يصدُرْ عنْهُ شيءٌ لاستحالةِ نسبةِ العدمِ سابقًا ولاحقًا والتصريحُ بهِ معَ كونِهِم معرفينَ بمضمونِهِ لتقريرِ ما قبلَهُ وتحقيقه بالإشارةِ إلى أنَّهما متلازمانِ إذِ

المعهودُ أنَّ ما يلدُ يولد ومَا لاَ فَلاَ ومنْ قضيةِ الاعترافِ بأنَّهُ لا يلدُ فهو قريبٌ منْ عطفِ لا يستقدمونَ عَلَى لا يستأخرونَ كمَا مرَّ تحقيقُهُ.

{وَلَم يَكُنْ لَّهُ كفوا أحد} أيْ لم يكافئهُ أحد ولَمْ يماثلهُ ولَمْ يشاكلهُ من صاحبةٍ وَغيرِهَا ولَهُ صِلةٌ لكفؤٍ قدمتْ عليهِ معَ أنَّ حَقَّهَا التأخرُ عَنْهُ للاهتمامِ بِهَا لأنَّ المقصودَ نفيُ المكافأةِ عنْ ذاتِهِ تعالى وقدْ جوزَ أنْ يكونَ خبرًا لا صلةَ

ويكونَ كُفؤًا حالًا من أحد وليسَ بذاكَ وأما تأخيرُ اسمِ كانَ فلمراعاةِ الفواصلِ ووجهُ الوصلِ بينَ هذهِ الجملِ غنيٌّ عن البيانِ وقرئ بضمِّ الكافِ والفاءِ معَ تسهيلِ الهمزةِ وبضمِّ الكافِ وَكسرِهَا معَ سُكُونِ الفاءِ هَذا ولانطواءِ

السورةِ الكريمةِ معَ تقاربِ قُطْريها عَلى أشتاتِ المعارفِ الإلهيةِ والردِّ عَلى منْ ألحَدَ فيهَا وردَ في الحديثِ النبويِّ أنَّها تعدلُ

ثلثَ القرآن فإنَّ مقاصدَهُ منحصرةٌ في بيانِ العقائدِ والأحكامِ والقصصِ ومَنْ عَدَلَها لكلمةٍ اعتبرَ المقصودَ بالذاتِ منْهُ.

روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ قال: «أسستِ السمواتُ السبعُ والأرضونَ السبعُ عَلى قُلْ هُو الله أحد» أيْ ما خلقتْ إلا لتكونَ دلائلَ عَلَى توحيدِ الله تعالى ومعرفةِ صفاتِهِ التي نطقتْ بها هذِه السورةُ.

وعنهُ عليهِ السلام أنه سمعَ رجلًا يقرأ قُل هُو الله أحد فقال وجبتْ فقيلَ ما وجبتْ يا رسولَ الله قال وجبتْ لَهُ الجنةُ. اهـ
.قال الجاوي: سورة الإخلاص.

وتسمى سورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة التوحيد، وسورة النجاة، وسورة النور، وسورة المعوذة، وسورة المانعة، لأنها تمنع فتنة القبر ولفحات النار، وسورة البراءة، لأنها براءة من الشرك.

مكية. أربع آيات. خمس عشرة كلمة. سبعة وأربعون حرفا. {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد}

إن هذه السورة نزلت بسبب سؤال المشركين. قال الضحاك: إن المشركين أرسلوا

عامر بن الطفيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: سببت آلهتنا وخالفت دين آبائك! فإن كنت فقيرا أغنيناك، وإن كنت مجنونا داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها! فقال صلى الله عليه وسلم:

«لست بفقير، ولا مجنون، ولا هويت امرأة، أنا رسول اللّه أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته».

فأرسلوه ثانية وقالوا: قل له بين لنا جنس معبودك أمن ذهب أو فضة؟ فأنزل اللّه هذه السورة فقالوا له:

ثلاثمائة وستون صنما لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق؟! فنزلت {وَالصَّافَّاتِ} [الصافات: 1] إلى

قوله تعالى: {إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحد} [الصافات: 4] فأرسلوه أخرى وقالوا: بين لنا أفعاله، فنزل {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} [الأعراف: 54]

وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلى من تدعونا يا محمد؟ فقال: «إلى اللّه تعالى» قال: صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة، وأهلك اللّه تعالى أربد بالصاعقة، وعامر بن الطفيل بالطاعون وقيل: نزلت بسبب سؤال النصارى.

روي عن ابن عباس قال: قدم وفد نجران فقالوا: صف لنا ربك، أمن زبرجد، أو ياقوت، أو ذهب، أو فضة؟ فقال: «إن ربي ليس من شيء لأنه خالق الأشياء» فنزل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد} قالوا: هو واحد، وأنت واحد، فقال: ليس

كمثله شيء، زدنا من الصفة، فقال: «{اللَّهُ الصَّمَدُ}» فقالوا: وما الصمد؟ فقال: «الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج». فقالوا: زدنا، فنزل {لَمْ يَلِدْ} كما ولدت مريم

{وَلَمْ يُولد} كما ولد عيسى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد} أي ليس له نظير من خلقه.

وقال الضحاك وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فإن اللّه تعالى أنزل صفته في التوراة، فأخبرنا من أيّ شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟

ومن ورث؟ ومن يرثه؟ فنزلت هذه السورة وصفات اللّه تعالى إما أن تكون إضافية، وإما أن تكون سلبية.

أما الإضافية: فكقولنا: عالم قادر مريد خلاق.

وأما السلبية: فكقولنا: ليس بجسم ولا بجوهر، ولا بعرض، وقولنا: اللّه يدل على مجامع الصفات الإضافية وقولنا: أحد يدل على مجامع الصفات السلبية، وذلك لأن اللّه تعالى هو الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة ليس

إلا لمن يستبد بالإيجاد فالاستبداد بالإيجاد، لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة، والإرادة النافذة، والعلم المتعلق

بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات، والمراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التراكيب.

{اللَّهُ الصَّمَدُ} أي السيد المصمود إليه في الحوائج.

وقال ابن مسعود والضحاك: الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده.

وقيل: الصمد هو الذي ليس فوقه أحد فلا يخاف من فوقه، ولا يرجو من تحته، ترفع الحوائج إليه.

وقال قتادة:الصمد الباقي بعد فناء خلقه، والذي لا يأكل ولا يشرب، وهو يطعم ولا يطعم.

وقال أبيّ بن كعب: هو الذي لا يموت ولا يورث، وله ميراث السموات والأرض.

وقال ابن كيسان: هو الذي لا يوصف بصفة أحد.

قال مقاتل بن حبان: هو الذي لا عيب فيه {لَمْ يَلِدْ} أي لم يصدر عنه ولد لأنه لم يجانسه شيء.

{وَلَمْ يُولد} (3) أي لم يصدر عن شيء لاستحالة نسبة العدم إليه تعالى سابقا ولاحقا. ويقال: لم يلد، أي ليس له ولد فيرث ملكه، ولم يولد أي ليس له والد فيرث عنه الملك، فلم يرث ولم يورث.

{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد} (4) أي لم يشاكله أحد من صاحبة وغيرها، فيمتنع أن يكون شيء من الموجودات مساويا له تعالى في شيء من صفات الجلال والعظمة، ثم الآية الأولى: تبطل مذهب الثنوية القائلين: بالنور

والظلمة، والنصارى: في التثليث. والصائبين: في الأفلاك والنجوم.

والآية الثانية: تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى اللّه، لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات.

والآية الثالثة: تبطل مذهب اليهود في عزير، والنصارى في المسيح والمشركين في أن الملائكة بنات اللّه.

والآية الرابعة: تبطل مذهب المشركين حين جعلوا الأصنام شركاء له تعالى.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لكل شيء نورا ونور القرآن قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فسمع رجلا يدعو ويقول: أسألك يا اللّه يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: «غفر لك، غفر لك، غفر لك»، ثلاث مرات.

وعن سهل بن سعد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفقر فقال: «إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد

وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك واقرأ قل هو اللّه أحد مرة واحدة». ففعل الرجل فأدر اللّه عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه.

وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ قل هو اللّه أحد بعد صلاة الصبح اثنتي عشر مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ قل هو اللّه أحد في مرضه الذي يموت فيه، لم يفنن في قبره وأمن من ضغطة القبر وحملته الملائكة بأكفها حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة». اهـ.

.قال الألوسي:
{قُلْ هُوَ الله أحد}

المشهور أن هو ضمير الشأن ومحله الرفع على الابتداء خبره الجملة بعده ومثلها لا يكون لها رابط لأنها عين المبتدأ في المعنى والسر في تصديرها به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة

التحقيق والتقرير فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقبًا لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن وقول الشيخ عبد القاهر في (دلائل الإعجاز) أن

له مع أن حسنًا بل لا يصح بدونها غير مسلم نعم قال الشهاب القاسمي أن هاهنا إشكالًا لأنه إن جعل الخبر مجموع معنى الجملة المبين في باب القضية أعني مجموع الله ومعنى أحد والنسبة بينهما ففيه أن الظاهر أن ذلك

المجموع ليس هو الشأن وإنما الشأن مضمون الجملة الذي هو مفرد أعني الوحدانية وإن جعل مضمون الجملة الذي هو مفرد فتخصيص عدم الرابط بالجملة المخبر بها عن ضمير الشأن غير متجه إذ كل جملة كذلك لأن

الخبر لابد من اتحاده بالمبتدأ بحسب الذات ولا يتحد به كذلك إلا مضمون الجملة الذي هو مفرد وأجيب باختيار الشق الأول كما يرشد إليه تعبيرهم عن هذا الضمير أحيانًا بضمير القصة ضرورة أن مضمون الجملة الذي هو

مفرد ليس بقصة وإنما القصة معناها المبين في باب القضية وأيضًا هم يعدون مثل قوله صلى الله عليه وسلم أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد

منك الجد من الجمل التي هي عين المبتدأ في المعنى الغير المحتاجة إلى الضمير لذلك ومن العلوم أن ما يقال ليس المضمون الذي هو مفرد بل هو الجملة بذلك المعنى ولذا تراهم يوجبون كسر همزة إن بعد القول وكذا

تمثيلهم لها بنطقي الله حسبي وكفى أي منطوقي الذي أنطق به ذلك إذ من الظاهر أن ما نطق به هو الجملة بالمعنى المعروف وقد دل كلام ابن مالك في (التسهيل) على المراد يكون الجملة التي لا تحتاج إلى رابط عين

المبتدأ أنها وقعت خبرًا عن مفرد مدلوله جملة وهو ظاهر فيما قلنا أيضًا وكون ذلك شأنا أي عظيمًا من الأمور باعتبار ما تضمنه ووصف الكلام بالعظم ومقابله بهذا الاعتبار شائع ذائع وقال العلامة أحمد الغنيمي إن أريد

أنها عينه بحسب المفهوم فهو مشكل لعدم الفائد وإن أريد عينه بحسب المصدق مع الغاير في المفهوم كما هو شأن سائر الموضوعات مع محمولاتها فقد يقال إن مشكل أيضًا إذ ما صدق ضمير الشأن أعم من الله أحد

والخاص لا يحمل على العام في القضايا الكلية ودعوى الجزئية في هذا المقام ينبو عنه تصريحهم بأن ضمير الشأن لا يخلو عن إبهام وبعبارة أخرى وهي أن ما صدق عليه ضمير الشأن مفرد وما صدق الجملة مركب ولا

شيء من المفرد بمركب ولذا تراهم يؤولون الجملة الواقعة خبرًا بمفرد صادق على المبتدأ ليصح وقوعها خبرًا والتزام ذلك في الجملة الواقعة خبرًا عن ضمير الشأن ينافي تصريحهم بأنها غير مؤولة بالمفرد وإن كانت في

موقعه وأجيب بأن معنى قولهم هو ضمير الشأن أنه ضمير راجع إليه وموضوع موضعه وإن لم يسبق له ذكر للإيذان بأنه من الشهرة والنباهة بحيث يستحضره كل أحد وإليه يشير كل مشير وعليه يعود كل ضمير وقولهم

في عد الضمائر التي ترجع إلى متأخر لفظًا ورتبة منها ضمير الشأن فإنه راجع إلى الجملة بعده مسامحة ارتكبوها لأن بيان الشأن وتعيين المراد به بها فما صدق الضمير هو بعينه ما صدق الشأن الذي عاد هو عليه فيختار

الشق الثاني فإما أن يراد بالشأن الشأن المعهود ادعاء وتجعل القضية شخصية نظير هذا زيد وأما أن يراد المعنى الكلي وتجعل القضية مهملة وهي في قوة الجزئية كأنه قيل بعض الشأن الله أحد وجاء الإبهام الذي ادعى

تصريحهم به من عدم تعين البعض قبل ذكر الجملة وحملها عليه وما صدق عليه الشأن كما يكون مفردًا يكون جملة فليكن هنا كذلك واستمجد الأول واحتمال الكلية مبالغة نحو كل الصيد في جوف الفرا كما ترى فليتأمل

وجوزوا أن يكون هو ضمير المسؤول عنه أو المطلوب صفته أو نسبته فقد أخرج الإمام أحمد في (مسنده) والبخاري في (تاريخه) والترمذي والبغوي في (معجمه) وابن عاصم في (السنة) والحاكم وصححه وغيرهم عن

أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد أنسب لنا ربك فأنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ الله أحد} السورة وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني في (الأوسط) والبيهقي بسند حسن وآخرون عن جابر

قال جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنسب لنا ربك فأنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ الله أحد} إلخ وفي المعالم عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر إلام

تدعونا يا محمد قال إلى الله قالا صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة أو من حديد أو من خشب فنزلت هذه السورة فأهلك الله تعالى أربد بالصاعقة وعامرًا بالطاعون وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في (الأسماء والصفات) عن

ابن عباس أن اليهود جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام منهم كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله تعالى السورة وكون السائلين اليهود مروي عن الضحاك وابن جبير

وقتادة ومقاتل وهو ظاهر في أن السورة مدنية وجاز رجوع الضمير إلى ذلك للعلم به من السؤال وجرى ذكره فيه وهو عليه مبتدأ والاسم الجليل خبره وأحد خبر بعد خبر وأجاز الزمخشري أن يكون بدلًا من الاسم الجليل

على ما هو المختار من جواز إبدال النكرة من المعرفة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وأجاز أبو البقاء أن يكون الاسم الأعظم بدلًا من هو واحد خبره والله تعالى وتقدم علم على الذات الواجب الوجود كما ذهب

إليه جمهور الأشاعرة وغيرهم خلافًا للمعتزلة حيث قالوا العلم في حقه سبحانه محال لأن أحدا لا يعلم ذاته تعالى المخصوص بخصوصية حتى يوضع له وإنما يعلم بمفهومات كلية منحصرة في فرد فيكون اللفظ موضوعًا

لأمثال تلك المفهومات الكلية فلا يكون علمًا ورد بأنه تعالى عالم بخصوصية ذاته فيجوز أن يضع لفظًا بإزائه بخصوصه فيكون علمًا وهذا على مذهب القائلين بأن الواضع هو الله تعالى ظاهر إلا أنه يلزم أن يكون ما يفهم

من لفظ الله غير ما وضع له إذ لا يعلم غيره تعالى خصوصية ذاته تعالى التي هي الموضوع له على هذا التقدير والقول بأنه يجوز أن يكون المفهوم الكلى آلة للوضع ويكون الموضوع له هو الخصوصية التي يصدق عليها

المفهوم الكلي كما قيل في هذا ونظائره يلزم عليه أيضًا أن يكون وضع اللفظ لما لا يفهم منه فإنا لا نفهم من أسمائه تعالى إلا تلك المفهومات الكلية والظاهر أن الملائكة عليهم السلام كذلك لاحتجاب ذاته عز وجل عن غيره

سبحانه ومن هنا استظهر بعض الأجلة ما نقل عن حجة الإسلام أن الأشبه أن الاسم الجليل جار في الدلالة على الموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي مجرى الإعلام أي

وليس بعلم وقد مر ما يتعلق بذلك أول الكتاب فارجع إليه بقي في هذا المقام بحث وهو أن الإعلام الشخصية كزيد أما أن يكون كل منها موضوعًا للشخص المعين كما هو المتبادر المشهور فإذا أخبر أحد بتولد ابن له فسماه

زيدًا مثلًا من غير أن يبصره يكون ذلك اللفظ اسمًا للصورة الخيالية التي حصلت في مخيلته وحينئذ إذا لم يكن المولود بهذه السورة لم يكن إطلاق الاسم عليه بحسب ذلك الوضع ولو قيل بكونه موضوعًا للمفهوم الكلي

المنحصر في ذلك الفرد لم يكن علمًا كما سبق ثم إذا سمعنا علمًا من تلك الأعلام الشخصية ولم نبصر مسماه أصلًا فإنا لا نفهم الخصوصية التي هو عليها بل ربما تخيلناه على غير ما هو عليه من الصور وإما أن يكون

جميع تلك الصور الخالية موضوعًا له فيكون من قبيل الألفاظ المشتركة بين معان غير محصورة وأما أن يكون الموضوع له هو الخصوصية التي هو عليها فقط فيكون غيرها خارجًا عن الموضوع له فيكون فهم غيرها من

الخصوصيات منه غلطًا فإما أن يترك دعوى كون تلك الأعلام جزئيات حقيقة ويقال إنها موضوعات للمفهومات الكلية المنحصرة في الفرد أو يلتزم أحد الاحتمالات الآخر وكلا الوجهين محل تأمل كما ترى فتأمل وأحد قالوا همزته مبدلة من الواو وأصله وأحد وإبدال الواو المفتوحة همزة قليل ومنه قولهم امرأة أناة يريدون وناة لأنه من الونى وهو الفتور

وهذا بخلاف أحد الذي يلازم النفي ونحوه ويراد به العموم كما في قوله تعالى: {فمًّا مِنكُم مّنْ أحد عَنْهُ حاجزين} [الحاقة: 47]

وقوله عليه الصلاة والسلام: «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» وقوله تعالى: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أحد} [مريم: 98]

وقوله سبحانه: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أحدا} [الجن: 18] وقوله

عز وجل: {وَإِنْ أحد مّنَ المشركين استجارك} [التوبة: 6] فإن همزته أصلية وقيل الهمزة فيه أصلية كالهمزة في الآخرة والفرق بينهما قال الراغب أن المختص بالنفي منهما لاستغراق جنس الناطقين ويتناول القليل والكثير

على طريق الاجتماع والافتراق نحو ما في الدار أحد أي لا وأحد ولا اثنان فصاعدًا لا مجتمعين ولا مفترقين ولهذا لم يصح استعماله في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح ولاي صح إثباتهما فلو قيل في الدار أحد لكان فيه

إثبات وأحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومفترقين وذلك ظاهر الإحالة ولتناول ذلك ما فوق الواحد يصح أن يقال ما من أحد فاضلين وعليه الآية المذكورة آنفًا والمستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه الأول أن

يضم إلى العشرات نحو أحد عشر وأحد وعشرون والثاني أن يستعمل مضافًا أومضافًا إليه بمعنى الأول كما في

قوله تعالى: {أَمَّا أحدكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا} [يوسف: 41] وقولهم يوم الأحد أي يوم الأول والثالث أن يستعمل

مطلقًا وصفًا وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى وهو وأن كان أصله واحدًا إلا أن وحدًا يستعمل في غيره سبحانه نحو قول النابغة:

كأن رحلي وقد زال النهار بنا ** بذي الجليل على مستأنس وحد

انتهى.
وقال مكي أصل أحد وأحد فأبدلوا الواو همزة فاجتمع ألفان لأن الهمزة تشبه الألف فحذفت أحداهما تخفيفًا وفرق ثعلب بين أحد ووأحد بأن أحدا لا يبني عليه العدد ابتداء فلا يقال أحد واثنان كما يقال وأحد واثنان ولا يقال

رجل أحد كما يقال رجل واحد ولذلك اختص به سبحانه وفرق بعضهم بينهما أيضًا بأن الأحد في النفس نص في العموم بخلاف الواحد فإنه محتمل للعموم وغيره فيقال ما في الدار أحد ولا يقال بأن اثنان ويجوز أن يقال ما

في الدار وأحد بل اثنان ونقل عن بعض الحنفية أنه قال في التفرقة بينهما أن الأحدية لا تحتمل الجزئية والعددية بحال والواحدية تحتملها لأنه يقال مائة واحدة وألف وأحد ولا يقال مائة أحد ولا ألف أحد وبنى على ذلك

مسألة الإمام محمد بن الحسن التي ذكرها في (الجامع الكبير) إذا كان لرجل أربع نسوة فقال والله لا أقرب واحدة منكن صار موليًا منهن جميعًا ولم يجز أن يقرب واحدة منهن إلا بكفارة ولو قال والله لا أقرب أحداكن لم يصر

موليًا إلا من أحداهن والبيان إليه وفرق الخطابي بأن الأحدية لتفرد الذات والواحدية لنفي المشاركة في الصفات ونقل عن المحققين التفرقة بعكس ذلك ولما لم ينفك في شأنه تعالى أحد الأمرين من الآخر قيل الواحد الأحد

في حكم اسم وأحد وفسر الأحد هنا ابن عباس وأبو عبيدة كما قال ابن الجوزي بالواحد وأيد بقراءة الأعمش {قُلْ هُوَ الله} الواحد وفسر بما لا يتجزأ ولا ينقسم وقال بعض الأجلة أن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك

فالمراد به هنا حيث أطلق المتصف بالواحدية التي لا يمكن أن يكون أزيد منها ولا أكمل فهو ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد خارجًا وذهنًا وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة

وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وهو مأخوذ من كلام الرئيس أبي علي بن سينا في تفسيره السورة الجليلة حيث قال إن أحدا دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا

كثرة هناك أصلًا لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول وكثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلًا كما في المادة والصورة والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم وذلك يتضمن لكونه سبحانه: منزهًا

عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء وقال ابن

عقيل الحنبلي الذي يصح لنا من القول مع إثبات الفات أنه تعالى وأحد في إلهيته لا غير وقال غيره من السلفيين كالحافظ ابن رجب هو سبحانه الواحد في إلهيته وربوبيته فلا معبود ولا رب سواه عز وجل واختار بعد

وصفه تعالى بما ورد له سبحانه من الصفات أن المراد الواحدية الكاملة وذلك على الوحهين كون الضمير للشأن وكونه للمسؤول عنه ولا يصح أن يراد الواحد بالعدد أصلًا إذ يخلو الكلام عليه من الفائدة وذكر بعضهم أن

الاسم الجليل يدل على جميع صفات الكمال وهي الصفات الثبوتية ويقال لها صفات الإكرام أيضًا والأحد يدل على جميع صفات الجلال وهي الصفات السلبية ويتضمن الكلام على كونهما خبرين الأخبار بكون المسؤول عنه

متصفًا بجميع الصفات الجلالية والكمالية وتعقب بأن الإلهية جامعة لجميع ذلك بل كل واحد من الأسماء الحسنى كذلك لأن الهوية الإلهية لا يمكن التعبير عنها لجلالتها وعظمتها إلا بأنه هو هو وشرح تلك الهوية بلوازم

منها ثبوتية ومنها سلبية واسم الله تعالى متناول لهما جميعًا فهو إشارة إلى هويته تعالى والله سبحانه كالتعريف لها فلذا عقب به وكلام الرئيس ينادي بذلك وسنشير إليه إن شاء الله تعالى وقرأ عبد الله وأبي هو الله أحد بغير

قل وقد اتفقوا على أنه لابد منها في {قُلْ يا أهل أَيُّهَا الكافرون} [الكافرون: 1] ولا تجوز في {تبت} فقيل لعل ذلك لأن سورة الكافرين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم أو موادعته عليه الصلاة والسلام لهم ومثل ذلك

يناسب أن يكون من الله تعالى لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالإنذار والجهاد وسورة تبت معاتبة لأبي لهب والنبي عليه الصلاة والسلام على خلق عظيم وأديب جسيم فلو أمر بذلك لزم مواجهته به وهو عمه صلى الله

عليه وسلم وهذه السورة توحيد وهو يناسب أن يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى وقيل في وجه قل في سورة الكافرون أن فيها ما لا يصح أن يكون من الله تعالى ك {لا أعبد ما تعبدون} [الكافرونك2] فلابد فيها من

ذكر قل وفيه نظر لأنه لا يلزم ذكره بهذا اللفظ فافهم وقال الدواني في وجه ترك قل في تبت لا يبعد أن يقال أن القول بمعاتبة أبي لهب إذا كان من الله تعالى كان أدخل في زجره وتفضيحه وقيل فيه رمز إلى أنه لكونه على

العلات عمه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يهينه بمثل هذا الكلام إلا الذي خلقه إذ لا يبعد أن يتأذى مسلم من أقاربه لو سبه أحد غيره عز وجل فقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله

تعالى عنهما قال مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال هذه ابنة عدو الله أبي لهب فأقبلت عليه فقالت ذكر الله تعالى أبي بنباهته وشرفه وترك أباك بجهالته ثم ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فخطب فقال: «لا يؤذين

مسلم بكافر» ثم إن إثبات قل على قراءة الجمهور في المصحف والتزام قراءتها في هذه السورة ونظائرها مع أنه ليس من دأب المأمور بقل إن يتلفظ في مقام الائتمار إلا بالمقول قال الماتريدي في التأويلات لأن المأمور

ليس المخاطب به فقط بل كل أحد ابتلى بما ابتلى به المأمور فأثبت ليبقى على مر الدهور منا على العباد وقيل يمكن أن يقال المخاطب بقل نفس التالي كأنه تعالى

أعلم به أن كل أحد عند مقام هذا المضمون ينبغي أن يأمر نفسه بالقول به وعدم التجاوز عنه فتأمل والله تعالى الموفق.

وقوله تعالى: {الله الصمد} مبتدأ وخبر وقيل {الصمت} نعت والخبر ما بعده وليس بشيء.

و{الصمد} قال ابن الأنباري لا خلاف بين أهل اللغة أنه السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في

حوائجهم وأمورهم وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السودد ويصمد إليه أي يقصد كل شيء وأنشدوا:

لقد بكر الناعي بخير بني أسد ** بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقوله:
علوته بحسام ثم قلت له ** خذها خزيت فأنت السيد الصمد

وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال هو السيد الذي قد كمل في سودده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم

الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسودد وعن أبي هريرة هو المستغني عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد وعن ابن جبير هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وعن الربيع هو الذي لا تعتريه

الآفات وعن مقاتل بن حيان هو الذي لا عيب فيه وعن قتادة هو الباقي بعد خلقه ونحوه قول معمر هو الدائم وقول مرة الهمداني هو الذي يبلي ولا يفني وعنه أيضًا هو الذي يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء لا معقب لحكمه

ولأراد لقضائه وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال لا أعلمه إلا قد رفعه قال الصمد الذي لا جوف له وروى عن الحسن ومجاهد ومنه قوله:

شهاب حروب لا تزال جياده ** عوابس يعلكن الشكين المصمدا

وعن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود قال: {الصمد} الذي ليس له أحشاء وهو رواية عن ابن عباس وعكرمة هو الذي لا يطعم وفي رواية أخرى الذي لم يخرج منه شيء وعن الشعبي هو الذي لا يأكل ولا يشرب

وعن طائفة منهم أبي بن كعب والربيع بن أنس أنه الذي لم يلد ولم يولد كأنهم جعلوا ما بعده تفسيرًا له والمعول عليه تفسيرًا بالسيد الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج والمطالب وتفسيره بالذي لا جوف له وما عداهما إما

راجع إليهما أو هو مما لا تساعد عليه اللغة وجعل معنى كونه تعالى سيدًا أنه مبدأ الكل وفي معناه تفسيره بالغنى المطلق المحتاج إليه ما سواه وقال يحتمل أن يكون كلا المعنيين مرادًا فيكون وصفًا له تعالى بمجموع السلب

والإيجاب وهو ظاهر في جواز استعمال المشترك في كلا معنييه كما ذهب إليه الشافعي والذي اختاره تفسيره بالسيد

الذي يصمد إليه الخلق وهو فعل بمعنى مفعول من صمد بمعنى قصد فيتعدى بنفسه وباللام وإطلاق الصمد

بمعنى السيد عليه تعالى مما لا خلاف فيه وإن كان في إطلاق السيد نفسه خلاف والصحيح إطلاقه عليه عز وجل كما في الحديث السيد الله وقال السهيلي لا يطلق عليه تعالى مضافًا فلا يقال سيد الملائكة والناس مثلًا وقصد

الخلق إياه تعالى بالحوائج أعم من القصد الإرادي والقصد الطبيعي والقصد بحسب الاستعداد الأصلي الثابت لجميع الماهيات إذ هي كلها متوجهة إلى المبدأ تعالى في طلب كمالاتها منه عز وجل وتعريفه دون {أحد} قيل

لعلمهم بصمديته تعالى دون أحديته وتعقب بأنه لا يخلو عن كدر لأن علم المخاطب بمضمون الخبر لا يقتضي تعريفه بل إنما يقتضي أن لا يلقى إليه إلا بعد تنزيله منزلة الجاهل لأن إفادة لازم فائدة الخبر بمعزل عن هذا

المقام فالأولى أن يقال إن التعريف لإفادة الحصر كقولك زيد الرجل ولا حاجة إليه في الجملة السابقة بناء على أن مفهوم أحد المنزه عن أنحاء التركيب والتعدد مطلقًا إلى آخر ما تقدم مع أنهم لا يعرفون أحديته تعالى

ولايعترفون بها واعترض بأنه يقتضي أن الخبر إذا كان معلومًا للمخاطب لا يخبر به إلا بتنزيله منزلة الجاهل أو إفادته لازم فائدة الخبر أو إذا قصد الحصر وهو ينافي معلومًا للمخاطب لا يخبر به إلا بتنزيله منزلة الجاهل

أو إفادته لازم فائدة الخبر أو إذا قصد الحصر وهو ينافي ما تقرر في المكعاني من أن كون المبتدا والخبر معلومين لا ينافي كون الكلام مفيدًا للسامع فائدة مجهولة لأن ما يستفيده السامع من الكلام هو انتساب أحدهما للآخر

وكونه هو هو فيجوز أن يقال هنا إنهم يعرفونه تعالى بوجه ما ويعرفون معنى المقصود سواء كان هو الله سبحانه أو غيره عندهم ولكن لا يعرفون أنه هو سواء كان بمعنى الفرد الكامل أو الجنس فعينه الله تعالى لهم وقيل

إن أحد في غير النفي والعدد لا يطلق على غيره تعالى فلم يحتج إلى تعريفه بخلاف الصمد فإنه جاء في كلامهم إطلاقه على غيره عز وجل أي كما في البيتين السابقين فلذا عرف وتكرر الاسم الجليل دون الإتيان بالضمير

قيل للاشعار بأن من لم يتصف بالصمدية لم يستحق الألوهية وذلك على ما صرح به الدواني مأخوذ من إفادة تعريف الجزأين الحصر فإذا قلت السلطان العادل أشعر بأن من لم يتصف بالعدل لم يستحق السلطنة وقيل ذلك لأن

تعليق الصمد بالله يشعر بعلية الألوهية للصمدية بناء على أنه في الأصل صفة وإذا كانت الصمدية نتيجة للألوهية لم يستحق الألوهية من لم يتصف بها وبحث فيه بأن الألوهية فيما يظهر للصمدية لأنه إنما يعبد لكونه

محتاجًا إليه دون العكس إلا أن يقال المراد بالألوهية مبدؤها وما تترتب عليه لا كونه معبودًا بالفعل وإنما لم يكتف بمسند إليه وأحد لأحد والصمد هو الاسم الجليل بأن يقال الله الأحد الصمد للتنبيه على أن كلا من الوصفين

مستقل في تعيين الذات وترك العاطف في الجملة المذكورة لأنها كالدليل عليه فإن من كان غنيًا لذاته محتاجًا إليه جميع ما سواه لا يكون إلا واحد أو ما سواه لا يكون إلا ممكنًا محتاجًا إليه أو لأنها كالنتيجة لذلك بناء على

أن الأحدية تستلزم الصمدية والغنى المطلق وبالجملة هذه الجملة من وجه تشبه الدليل ومن وجه تشبه النتيجة فهي مستأنفة أو مؤكدة وقرأ أبان بن عثمان وزيد بن علي ونصر بن عاصم وابن سيرين والحسن وابن أبي

إسحاق وأبو السمال وأبو عمر وفي رواية يونس ومحبوب والأصمعي واللؤلؤي وعبيد أحد الله بحذف التنوين لالتقائه

مع لام التعريف وهو موجود في كلام العرب وأكثر ما يوجد في الشعر كقول أبي الأسود الدؤلي:فألقيته غير مستعتب** ولا ذاكر الله إلا قليلًا

وقول الآخر:عمرو الذي هشم الثريد لضيفه ** ورجال مكة مسنتون عجاف

والجيد هو التنوين وكسره لالتقاء الساكنين وقوله تعالى:{لَمْ يَلِدْ} إلخ على نحو ما سبق ونفى ذلك عنه تعالى لأن الولادة تقتضي انفصال مادة منه سبحانه وذلك يقتضي التركيب المنافي للصمدية والأحدية أو لأن الولد من

جنس أبيه ولا يجانسه تعالى أحد لأنه سبحانه واجب وغيره ممكن ولأن الولد على ما قيل يطلبه العاقل إما لإعانته أو ليخلفه بعده وهو سبحانه دائم باق غير محتاج إلى شيء من ذلك والاقتصار على الماضي دون أن يقال

لن يلد لوروده ردًا على من قال إن الملائكة بنات الله سبحانه، أو المسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ويجوز أن يكون المراد استمرار النفي وعبر بالماضي لمشاكلة قوله تعالى: {وَلَمْ يُولد} وهو لابد أن يكون

بصيغة الماضي ونفى المولودية عنه سبحانه لاقتضائها المادة، فيلزم التركيب المنافي للغنى المطلق والأحدية الحقيقية أو لاقتضائها سبق العدم ولو بالذات أولاقتضائها المجانسة المستحيلة على واجب الوجود وقدم نفي

الولادة لأنه الأهم لأن طائفة من الكفار توهموا خلافه بخلاف نفي المولودية أو لكثرة متوهمي خلاف الأول دون خلاف الثاني بناء على أن النصارى يلزمهم بواسطة دعوى الاتحاد القول بالولادة والمولودية فيمن يعتقدونه

إلهًا وذلك على ما تضمنته كتبهم أنهم يقولون الأب هو الأقنوم الأول من الثالوث والابن هو الثاني الصادر منه صدورًا أزليًا مساويًا بالأزلية له وروح القدس هو الثالث الصادر عنهماكذلك والطبيعة الإلهية واحدة وهي لكل

من الثلاثة وكل منها متحد معها ومع ذلك هم ثلاثة جواهر لا جوهر وأحد فالأب ليس هو الابن والابن ليس هو الأب وروح القدس ليس هو الأب ولا الابن وهما ليسا روح القدس ومع ذا هم إله وأحد إذ لهم لاهوت وأحد

وطبيعة واحدة وجوه روأحد وكل منهم متحد مع اللاهون وإن كان بينهم تمايز والأول هو الوجود الواجد الجوهري والثاني هو العقل الجوهري ويقال له العلم والثالث هو الإدارة الجوهرية ويقال لها المحبة فالله ثلاثة أقانيم

جوهرية وهي على تمايزها تمايزًا حقيقيًا وقد يطلقون عليه إضافيًا أي بإضافة بعضها إلى بعض جوهر وطبيعة واحدة هو الله وليس يوجد فيه غيره بل كل ما هو داخل فيه عين ذاته ويقولون إن فيه تعالى عما يقولون أربع

إضافات أولاها فاعلية التعقيل في الأقنوم الأول ثانيتها مفعولية التعقل في الأقنوم الثاني الذي هو صورة عقل الأب ثالثتها فاعلية الانبثاق في الأقنوم الأول والثاني اللذين لهما الإرادة رابعتها مفعولية هذا الانبثاق في الأقنوم

الثالث الذي هو حب الإرادة الإلهية التي للاقنوم الأول والثاني وزعموا أن التعبير بالفاعلية والمفعولية في الأقانيم الإلهية على سبيل التوسع وليست الفاعلية في الأب نحو الابن إلا الأبوة وفيه وفي الابن نحو روح القدس

ليست إلا بدء صدوره منهما وليست المفعولية في الابن وروح القدس إلا البنوة في الابن والانبثاق في الروح ويقولون كل ذلك مما يجب الايمان به وإن كان فوق الطور البشري ويزعمون أن لتلك الأقانيم أسماء تلقوها من

الحواريين فالأقنوم الأول في الطبع الإلهي يدعى أبًا والثاني ابنًا وكلمة وحكمة ونورًا وضياء وشعاعًا والثالث روح القدس ومغريًا وهو معنى قولهم باليونانية اراكليط وقالوا في بيان وجه الإطلاق إن ذلك لأن الأقنوم الأول

بمنزلة ينبوع ومبدأ أعطى الأقنوم الثاني الصادر عنه بفعل يقتضي شبه فاعله وهو فعل العقل طبيعته وجوهره كله حتى إن الأقنوم الثاني الذي هو صورة الأول الجوهرية الإلهية مساو له كمال المساواة وحد الإيلاد هو

صدور حي من حي بآلة ومبدا مقارن يقتضي شبه طبيعته وهنا كذلك بل أبلغ لأن للثاني الطبيعية الإلهية نفسها فلا بدع إذا سمي الأول أبا والثاني ابنًا وإنما قيل للثاني كلمة لأن الإيلاد ليس على نحو إيلاد الحيوان والنبات

بل يفعل العقل أي يتصور الأب لاهوته وفهمه ذاته ولا شك أن تلك الصورة كلمة لأنها مفهومية العقل ونطقه وقيل لها حكمة لأنه كان مولودًا من الأب بفعل عقله الإلهي الذي هو حكمة وقيل له نور وشعاع وضياء لأنه حيث

كان حكمة كان به معرفة حقائق الأشياء وانكشافها كالمذكورات وقيل للثالث روح قدس لأنه صادر من الأب والابن بفعل الإرادة التي هي واحدة للأب والابن ومنبثق منهما بفعل كهيجان الإرادة بالحب نحو محبوبها فهو حب

الله والله نفسه هو الروح الصرف والتقدس عينه ولكل من الأول والثاني وجه لأن يدعي روحًا لمكان الاتحاد لكن لما دعى الأول باسم يدل على رتبته وإضافته إلى الثاني والثاني كذلك اختص الثالث بالاسم المشاع ولم يدع

ابنًا وإن كان له طبيعة الأب وجوهره كالابن لأنه لم يصدر من الأب بفعل يقتضي شبه فاعله يعني بفعل القعل بل صدر منه فعل الإرادة فالثاني من الأول كهابيل من آدم والثالث كحواء منه والكل حقيقة واحدة لكن يقال لهابيل

ابن ولا يقال لها بنت وقيل له مغزى لأنه كان عتيدًا لأن يأتي الحواريين فيغريهم لفقد المسيح عليه السلام وأما الفاعلية والمفعولية فلأنهما غير موجودين حقيقة والأبوة والبنوة هاهنا لا تقتضيهما كما في المحدثات ولذا لا

يقال هنا للأب علة وسبب لابنه وإن قيل هناك فالثلاثة متساوية في الجوهر والذات واستحقاق العبادة والفضل من كل وجه ثم أنهم زعموا تسجد الأقنوم الثاني وهو الكلمة واتحاده بأشرف أجزاء البتول من الدم بقوة روح

القدس فكان المسيح عليه السلام المركب من الناسوت والكلمة والكلمة مع اتحادهما لم تخرج عن بساطتها ولم تتغير لأنها الحد الذي ينتهي إليه الاتحاد فلا مانع في جهتها من الاتحاد وكذا لا مانع في جانب الناسوت منه فلا

يتعاصى الله تعالى شيء زعموا أن المسيح عليه السلام كان إلهًا تامًا وإنسانًا تامًا ذا طبيعتين ومشيئتين قائمتين باقنوم إلهي وهو اقنوم الكلمة ومن ثم تحمل عليه الصفات الإلهية والبشرية معًا لكن من حيثيتين ثم إنهم

زادوا في الطنبور رنة وقالوا إن المسيح أطعم يومًا الحواريين خبزًا وسقاهم خمرًا، فقال أكلتم لحمي وشربتم دمي فاتحدتم معي وأنا متحد مع الأب إلى رنات أخر هي أشهر من أن تذكر ويعلم مما ذكرنا أنه لا فرق عندهم

بين أن يقال إن الله تعالى هو المسيح وبين أن يقال أن المسيح ابنه وبين أن يقال إنه سبحانه ثالث ثلاثة ولذا جاء في التنزيل كل من هذه الأقوال منسوبًا إليهم ولا حاجة إلى جعل كل قول لقوم منهم كما قال غير واحد من

المفسرين والمتكلمين ثم لا يخفى منافاة ما ذكروه للأحدية والصمدية وقولهم إن الأقانيم مع كونها ثلاث جواهر متمايزة تمايزًا حقيقيًا جوهر وأحد لبداهة بطلانه لا يسمن ولا يغنى وما يذكرونه من المثال لإيضاح ذلك فهو

عن الإيضاح بمعزل وبعيد عن المقصود بألف ألف منزل وكنا ذكرنا في ضمن هذا الكتاب ما يتعلق ببعض عقائدهم مع رده إلا أنه كان قبل النظر في كتبهم وقد اعتمدنا فيه ما ذكره المتكلمون عنهم واليوم لنا عزم على تأليف

رسالة تتضمن تحرير اعتقاداتهم في الواجب تعالى وذكر شبههم العقلية والنقلية التي يستندون إليها ويعولون في التثليث عليها حسبما وقفنا عليه في كتبهم مع ردها على أكمل وجه إن شاء الله تعالى ونسأل الله تعالى

التوفيق لذلك وأن يسلك سبحانه بنا في جميع أمورنا أقوم المسالك فهو سبحانه الجواد الأجود الذي لم يجبه من توجه إليه بالرد.


{وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أحد}
أي لم يكافئه أحد ولم يماثله ولم يشاكله من صاحبة وغيرها وقيل هو نفي للكفاءة المعتبرة بين الأزواج وهو كما ترى وله صلة كفوا على ما ذهب إليه المبرد وغيره والأصل أن يؤخر إلا أنه قدم للاهتمام لأن المقصود نفي

المكافاة عن ذاته عز وجل وللاهتمام أيضًا قدم الخبر مع ما فيه من رعاية الفواصل قيل له إن الظرف هنا وإن لم يكن خيرًا مبطل سقوطه معنى لكلام لأنك لو قلت لم يكن كفوًا أحد لم يكن له معنى فلما احتيج إليه صار

بمنزلة الخبر فحسن ذلك وقال أبو حيان كلام سيبويه في الظرف الذي يصلح أن يكون خبرًا وهو الظرف التام وما هنا ليس كذلك وقال ابن الحاجب قدم الظرف للفواصل ورعايتها ولم يقدم على أحد لئلا يفصل بين المبتدا

وخبره وفيه نظر ظاهر وجوز أن يكون الظرف حالًا من أحد قدم عليه رعاية للفاصلة ولئلا يلتبس بالصفة أو الصلة وأن يكون خبرًا ليكن ويكون كفوًا حالًا من أحد قدم عليه لكونه نكرة أو حالًا من الضمير في الظرف الواقع

خبرًا وهذا الوجه نقله أبو على في الحجة عن بعض النحاة ورد بأنه كما سمعت آنفًا عن أبي حيان ظرف ناقص لا يصح أن يكون خبرًا فإن قدر له متعلق خاص وهو مماثل ونحوه مما تتم به الفائدة يكون كفوًا زائدًا ولعل

وقوع الجمل الثلاث متعاطفة دون ماعداها من هذه السورة لأنها سيقت لمعنى وغرض وأحد وهو نفي المماثلة والمناسبة عنه تعالى بوجه من الوجوه وما تضمنته أقسامها لأن المماثل إما ولد أو والد أو نظير غيرهما

فلتغاير الأقسام واجتماعها في المقسم لزم العطف فيها بالواو كما هو مقتضى قواعد المعاني وفي كفوًا لغات ضم الكاف وكسرها وفتحها مع سكون الفاء وضم الكاف مع ضم الفاء وقراءة حمزة ويعقوب ونافع في رواية

كفؤا بالهمز والتخفيف وحفص بالحركة وإبدال الهمزة واوًا وباقي السبعة بالحركة مهموزًا وسهل الهمزة الأعرج وأبو جعفر وشيبة ونافع في رواية وفي أخرى عنه كفى من غير همز نقل حركة الهمزة إلى الفاء وحذف

الهمزة وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس كفاء بكسر الكاف وفتح الفاء والمد كما في قول النابغة:

لا تقذفني بركن لا كفاء له

أي لا مثل له كما قال الأعلم وهذه السورة الجليلة قد انطوت مع تقارب قطرها على أشتات المعارف الإلهية والعقائد الإسلامية ولذا جاء فيها ما جاء من الأخبار وورد ما ورد من الآثار ودل على تحقيق معنى الآلهة

بالصمدية التي معناها وجوب الوجود أو المبدئية لوجود كل ما عداه من الموجودات تم عقب ذلك ببيان أنه لا يتولد عنه غيره لأنه غير متولد عن غيره وبين أنه تعالى وإن كان إلهًا لجميع الموجودات فياضًا للوجود عليها

فلا يجوز أن يفيض الوجود على مثله كما لم يكن وجوده من غيره ثم عقب ذلك ببيان أنه ليس في الوجود ما يساويه في قوة الوجود فمن أول السورة إلى {الصمد} في بيان ماهيته تعالى ولوازم ماهيته ووحدة حقيقته وإنه


غير مركب أصلًا ومن قوله تعالى لم يلد إلى أحد في بيان أنه ليس ما يساويه من نوعه ولا من جنسه لا بأن يكون سبحانه متولدا ولا بأن يكون متولدا عنه ولا بأن يكون موازي في الوجود وبهذا المبلغ يحصل تمام معرفة

ذاته عز وجل انتهى وأشار فيه إلى أن ولم يولد كالتعليل لما قبله وكأن قد قال قبل إن كل ما كان ماديًا أو كان له علاقة بالمادة يكون متولدا عن غيره فيصير تقدير الكلام لم يلد لأنه لم يتولد والإشارة إلى دليله فهو أول

السورة فإنه لما لم يكن له ماهية واعتبار سوى أنه هو لذاته وجب أن لا يكون متولدا عن غيره إلا لكانت هويته مستفادة عن غيره فلا يكون هو لذاته وظاهر العطف يقتضي عدم اعتبار ما أشار إليه من العلية وقد علمت

فيما سبق وجه ذكره وجعل بعضهم العطف فيه قريبًا من عطف لا يستقدمون على {لا يستأخرون} [الأعراف: 34] وأشار بعض السلف إلى أن ذكر ذلك لأنه جاء في سبب النزول أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن

ربه سبحانه من أي شيء هو أمن كذا أم من كذا وممن ورث الدنيا ولمن يورثها وقال الإمام أن هو الله أحد ثلاثة ألفاظ وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول مقام المقربين وهو أعلى مقامات

السائرين إلى الله تعالى وهؤلاء نظروا بعيون عقولهم إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي فما رأوا موجودًا سوى الحق لأنه الذي يجب وجوده لذاته وما عداه ممكن لذاته فهو من حيث ذاته ليس فقالوا هو إشارة إلى

الحق إذ ليس هناك في نظرهم موجود يرجع إليه سواه عز وجل ليحتاج إلى التمييز والمقام الثاني لأصحاب اليمين وهؤلاء شاهدوا الحق سبحانه موجودًا وكذا شاهدوا الخلق فحصلت كثرة في الموجودات في نظرهم فلم يكن

هو كافيًا في الإشارة إلى الحق بل لابد من مميز فاحتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة الله بلفظ فقيل لأجلهم هو الله والمقام الثالث مقام أصحاب الشمال الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من وأحد والإله كذلك فجيء بأحد

ردًا عليهم وإبطالًا لمقالتهم انتهى وبعض الصوفية عد لفظة هو من عداد الأسماء الحسنى بل قال إن هاء الغيبة هي اسمه تعالى الحقيقي لدلالته على الهوية المطلقة مع كونه من ضروريات التنفس الذي به بقاء حياة النفس

وإشعار رسمه بالإحاطة ومرتبته من العدد إلى دوامه وعدم فنائه ونقل الدواني عن الإمام أنه قال علمني بعض المشايخ يا هو يا من هو يا من لا إله إلا هو

وعلى ذلك اعتقاد أكثر المشايخ اليوم ولم يرد ذلك في الأخبار المقبولة عند المحدثين والله تعالى أعلم. اهـ..






التوقيع

رد مع اقتباس
 
 

   
مواقع النشر
 

   
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير الاية 69 من سورة النحل والاية 69 من سورة النحل ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 0 12-12-2018 04:59 PM
- سورة هود 011 - (تفسير الآيات 07 – 11 ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 1 01-19-2017 06:02 PM
تفسير سورة الفلق ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 1 05-29-2016 01:48 AM
تفسير سورة الضحى ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 1 01-27-2016 09:54 PM
تفسير سورة الفلق ابراهيم الحسين المنتدى الأسلامى 1 04-28-2013 10:27 AM
 

   
يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

flagcounter


Loading...


جميع المواضيع والمشاركات المطروحه تعبر عن وجهه نظر الكاتب ولا علاقه لملتقيات أوربى بها

Security team

  تصميم علاء الفاتك    http://www.moonsat/vb تصميم علاء الفاتك     http://www.moonsat.net/vb